المؤشرات الأولى على أن حماس تعمل على لجم الجموع كانت مئات نشطاء المنظمة ممن يرتدون السترات البرتقالية والذين لم يسمحوا أمس بالوصول إلى الجدار. وارتفع عدد المتظاهرين مع الوقت، ولكن حماس لم تفقد السيطرة في أي مرحلة وأثبتت مرة أخرى أنها عندما تريد فإن الميدان في أيديها.
في نهاية يوم الأرض، الذي شكل أيضاً موعداً للذكرى السنوية لمسيرات العودة في غزة، يمكن للطرفين أن يعرضا صورة من الرضى والإنجازات. ويخدم هذا الميزان بقدر كبير مصالحهما ـ عدم الوصول في هذه المرحلة إلى حرب أو إلى حملة واسعة.
كما نجحت حماس في أن تجلب إلى الجدار أكثر من 40 ألف فلسطيني وفي نفس الوقت التزمت بالوعود التي قطعتها لمصر بلجم الساحة. في الجيش الإسرائيلي خافوا من يوم أرض عنيف، يؤدي إلى تصعيد أمني في القطاع عشية الانتخابات في إسرائيل، ولكن الاستعداد السليم للجيش الإسرائيلي، والانضباط العملياتي العالي والعمل المهني للقوات في الميدان ابتداء من استخدام وسائل تفريق المظاهرات وحتى إطلاق نار محدود ودقيق من القناصة، أدى إلى ألا يكون هناك مصابون في أوساط جنود الجيش، ومنعت التسلل إلى أراضي إسرائيل، وكان عدد المصابين في الجانب الفلسطيني متدنياً نسبياً.
في المواقع المختلفة طلبت حماس من إسرائيل، من خلال المصريين، أن يكون عدد المصابين متدنياً. أما إسرائيل فطلبت في المقابل ألا تسمح حماس بإشعال إطارات السيارات، الذي يؤدي إلى سحب سوداء تجعل من الصعب العمل الدقيق للقناصة ويسمح للفلسطينيين بالاقتراب من الجدار وكنتيجة لذلك يؤدي إلى إصابات عديدة.
على المستوى التكتيكي قام الجيش الإسرائيل بعمله كما كان مطلوباً منه، فقد استعد بشكل مرتب ومنظم واستخلص الدروس من الأحداث السابقة.
عشية الحرب أو الحملة الكبيرة يواجه الجيش الإسرائيلي تحديات لوجستية أكبر بكثير، ومن السابق لأوانه أن نرى في الانتشار الناجح في نهاية الأسبوع الأخير اختباراً حقيقياً. أما الآن فالكرة في الملعب السياسي. كان يمكن ليوم الأرض أن يكون المحفز الذي يشعل المادة المتفجرة ويجر الطرفين إلى مواجهة عسكرية، ولكن لأسباب مختلفة، تتعلق قبل كل شيء بحماس، لم تنشب النار ولكن المادة المتفجرة لا تزال في الميدان ويجب مواصلة تعطيلها في الأيام القريبة القادمة.
في جهاز الأمن يعتقدون بأنه يمكن استخدام نتائج السبت الأخير للوصول إلى تفاهمات أهم ذات مغزى أكبر تعيد الهدوء والاستقرار في الفترة القادمة، والتقدم إلى مراحل أخرى من التسوية. بكلمات أخرى، بعد أن أعفينا من أخطاء على المستوى العسكري، حان وقت القيادة السياسية للعمل.
ينبغي أن نتذكر بأن كل شيء لا يزال هشاً وغير مستقر ويكفي صاروخ واحد نحو إسرائيل أو عملية إرهابية على الجدار، وحينها يتغير الوضع من الأقصى إلى الأقصى. على المستوى السياسي أدار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأسبوعين الأخيرين على نحو سليم. فقد نجح، مع الجيش الإسرائيلي، في منع مواجهة عسكرية في القطاع عشية الانتخابات، وثمة أهمية كبيرة لذلك. ولكن إلى جانب هذا النجاح يبرز الفشل في السياسة في السنة الأخيرة. فإسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بأن تكون متعلقة بنزوات حماس. وإذا كانت إسرائيل تعرف كيف تقر الاتفاقات التي تحققت مع حماس في يوم الخميس وأتاحت تخفيض مستوى اللهيب، فلماذا لم يكن ممكناً الوصول إلى ذلك ليس تحت التهديدات للمنظمة الإرهابية في عشية الانتخابات؟
في صالحنا، من الأفضل للانتخابات ألا تجرى تحت النار من عدو صغير وضعيف مثل حماس أو من أعداء أقوى مثل حزب الله وإيران. ولكن بعد الانتخابات سيكون مطلوباً من القيادة السياسية والعسكرية نظرة عميقة لغرض استخلاص الدروس. فكيف حصل أن حماس، عشية الانتخابات، كادت تغير جدول الأعمال في إسرائيل، عن قصد أو كتحصيل حاصل. وبإدارة سياسية مبادر إليها أم باستخدام النار عند الوجوب فإن حكومة إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها باستمرار وضع تدير فيه منظمة إرهابية الوضع.
تل ليف رام
معاريف ـ 31/3/2019