لندن ـ «القدس العربي»: يبدو أن النظام المصري بدأ حملة ضد «الحركة المدنية الديمقراطية» المعارضة، التي تضم أحزابا وشخصيات مستقلة، بعد موقفها الرافض للتعديلات الدستورية التي تسمح للرئيس السيسي بالبقاء في الحكم حتى عام 2034.
الحركة، التي تشتمل على أحزاب، منها المصري الديمقراطي والكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي، لم تكتف بالتصريحات لمواجهة التعديلات الدستورية، وإنما وضعت خطة تضمنت مذكرات احتجاج لجهات رسمية، ومحاولة تنظيم وقفة احتجاجية، فضلاً عن مشاركة ممثلين عنها في الحوار المجتمعي الذي عقده البرلمان لبحث مسألة التعديلات.
كل ذلك استدعى هجوماً من النائب علي بدر عضو لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، حيث قال إن أعضاء الحركة المدنية الديمقراطية، «لا بد من محاكمتهم بتهمة خيانة الوطن، وأن يتم إسقاط الجنسية المصرية عنهم، ويجب أن تكون محاكمتهم علنية».
موقف سرعان ما ردت عليه الحركة منتقدة حملات التشويه التي تتعرض لها بسبب معارضتها للتعديلات الدستورية.
وتساءلت في بيان: «لمصلحة من محاولة الربط بين الحركة المدنية الديمقراطية وجماعة الإخوان؟»
وأكدت إنها «تتعرض منذ يومين لحملة شرسة ومنظمة من التشهير والتحريض ضدها جملة، وضد بعض من رموزها بالأسماء، وفي أعقاب عقد الحركة لمؤتمرها الصحافي داخل أحد مقرات أحزابها المكونة لها، وإعلانها في بيانها الصادر عنها موقفها المعارض لتعديل الدستور وتفنيدها بوضوح وبالحجج الدستورية والمنطقية والسياسية أسباب ذلك الرفض».
واللافت، وفق البيان، أن «هذه الحملة المغرضة تحاول الربط بين الحركة وجماعة الإخوان بشتي الطرق رغم معرفة الجميع موقف الحركة الثابت من الجماعة ومن كل من يتبنى العنف كمبدأ في عمله وكل من يسعون إلى هدم الدولة، بالرفض والمقاطعة والفصل الكامل بيننا وبينهم، كما أننا نذكر بأن جميع أعضاء الحركة لهم شرف الانضمام لجبهة الإنقاذ التي لعبت دورا رئيسيا في التصدي للإخوان وإزاحتهم من السلطة».
واعتبرت إلهام عيداروس، وكيلة مؤسسي حزب «العيش والحرية»، المنضوي في الحركة أن «الدولة استخدمت أسلحتها لوأد الحركة لمطالبتها بضمانات لعملية الاستفتاء، وأن الاختفاء القسري طال العديد من أعضاء المعارضة المدنية بعد رفضنا التعديلات الدستورية».
الهجوم على الحركة جاء بعد قيامها بسلسلة خطوات ضد التعديلات الدستورية، آخرها بينها طلب تنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان قوبل بالرفض من وزارة الداخلية، وفق ما أعلنت الحركة في مؤتمر صحافي، في مقر حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي»، قبل أيام.
وفي المؤتمر نفسه، قال فريد زهران، رئيس الحزب المصري الديمقرطي الاجتماعي، إن «أحزاب الحركة تلقت دعوة من مجلس النواب للمشاركة في الحوار المجتمعي ورغم أن الجلسة يحضرها 200 شخص وهو عدد لا يسمح بإدارة حوار حقيقي، لكن قررت الأحزاب المدعوة المشاركة في الحوار، للتأكيد على موقفنا برفض التعديلات».
وبالفعل وجه البرلمان الدعوة لثلاثة أحزاب من أصل 7 تضمها الحركة.
ووصف ممثلو الحركة، في كلماتهم، جلسات الحوار بـ«الشكلية»، لكنهم أكدوا أنهم لبوا الدعوة، حرصا على إعلان موقفهم الرافض للتعديلات، في ظل حالة الحصار الإعلامي التي يفرضها النظام على كل من يبدي اعتراضه على إجراء تعديلات دستورية.
مضايقات الأمن
وتعرض أعضاء الحركة خلال المؤتمر الصحافي، السابق ذكره، لمضايقات من قبل الأمن المصري، وفق ما أكد رئيس حزب»التحالف الاشتراكي» مدحت الزاهد، في صفحته على «فيسبوك»، إذ كتب «عندما وصلنا المنصورة أنا وعبد الجليل مصطفى وجورج إسحاق فؤجئنا بحركة من حركات الأمن، إذ عطلوا الأسانسير(المصاعد) وصرفوا البواب. ومقر التحالف الشعبي الاشتراكي الذي استضاف مؤتمر الحركة المدنية في الدور السابع».
الزاهد، أكد أن «أي مشارك لم ينصرف»، وزاد: «لا بأس، فإذا كانوا اتهموا من يعارضون انقلابهم على الدستور، بالعمالة فلا أقل من وضع الأحجار في طريق كل خطوة نخطوها، ولكن شعارنا وشعار كل من شاركوا في المؤتمر «المقاومة حياة» ننتصر بها لأنفسنا ورفاقنا وشعبنا».
نائب موال للسيسي دعا إلى محاكمة أعضائها بتهمة «خيانة الوطن»
وتابع : «قياس الأثر عندنا ليس بنتيجة غزوة الصناديق بل بالدفاع عن مساحتنا وبناء كتلتنا ومقاومة إنكسار الروح وبناء قوى تمنع الانقلاب على الدستور أو تضع فرامل على نتائجه الكارثية، من أجل هذا سنواصل جولة المحافظات، ومن أجله نظمنا حملة التوقيعات، ومن أجله خاطبنا المجلس الأعلى للإعلام الذي يصدر كل 5 دقائق توجيها للصحف والإذاعة والتلفزيون نسأله ألم تسمعوا عن معارضين للتعديل على الدستور غير مسموح لهم بالكلام؟ ومن أجله بدأنا حملة الفيديوهات لكسر جدار الصمت، ومن أجله أخطرنا الداخلية بوقفة احتجاجية أمام مجلس النواب، لا عن وهم بأنها ستستجيب، بل لنكشف طبيعة هذا الحوار المجتمعي الغاشم ومن أجله خرجنا من المؤتمر الصحافي للحركة إلى مجلس النواب، لا لنسلم الموقع ونوقع وثيقة الاستسلام، بل لدعوتهم لوقف التعدي على الدستور».
ووفق المصدر «المقصود من كل هذه الفعاليات المتنوعة أن نتوجه للرأي العام ولشعبنا وأن نخترق أجواء الحصار عبر خلق ما أمكن من مساحات ونكسر جدار الصمت».
وأطلقت الحركة على صفحتها على «الفيسبوك»، سلسلة فيديوهات لأعضائها يوضحون فيها موقفهم من التعديلات الدستورية.
الزاهد، الذي ظهر في أحد الفيديوهات، اعتبر أن «التعديلات الدستورية المطروحة الآن تناقض تصريحات سابقة للرئيس السيسي يؤكد فيها التزامه بما ورد في الدستور، وأنه لن يبقى في منصبه سوى فترتين فقط».
وبين أن «الموافقة على التعديلات معناها ببساطة عودة دولة الحاكم الفرد».
كما طالب بـ«فتح وسائل الإعلام للمعارضين التعديلات لشرح وجهة نظرهم، خاصة في وسائل الإعلام الحكومية التي يتم تمويلها من أموال دافعي الضرائب المصريين».
بناء دولة المؤسسات
أما خالد داود، عضو الحركة المدنية والرئيس السابق لحزب الدستور، فرأى في فيديو له أن «حماية الدستور الحالي ضرورة من أجل ضمان بناء دولة المؤسسات ولكي لا نعيش في ظل دولة الرئيس الفرد».
وأوضح أن «القبول بالتعديلات الدستورية المطروحة معناه التخلي عن أحد أهم مطالب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وهو أن يكون لدينا رئيس يخضع للمحاسبة والمساءلة ويقبل تداول السلطة ويتخلى عن منصبه كل أربع أو ثماني سنوات وفقا لما ينص عليه الدستور».
فضلاً عن الفيديوهات، أطلقت الحركة حملة توقيعات على بيان لرفض التعديلات، وجاء في البيان، الذي وقع عليه عدد كبير من الأحزاب والشخصيات المعارضة، أن «جوهر عملية تعديل الدستور المطروحة والهدف النهائي منها هو تمكين الرئيس الحالي من الاستمرار في الحكم لأكثر من دورتين رئاسيتين، وذلك بالمخالفة لما أقره الدستور الحالي، وتركيز جميع السلطات في يده في آن واحد، وإحكام قبضة السلطة التنفيذية على كل الهيئات القضائية، وهو ما يعني القضاء على أي إمكانية للتداول السلمي للسلطة، وتجميد مشروع بناء الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة».
وأكد أن «ليس من حق أي سلطة في البلاد، مهما علا شأنها، أن تمس المواد المتعلقة بانتخاب الرئيس والحريات، بالتعديل أو الحذف أو الإضافة لأن هذه المواد محصنة ضد أي تغيير وفقاً لما جاء بالدستور الحالي في المواد 226 و 157و140»..
لذلك كله، وفق البيان، «يرفض الموقعون على هذا البيان التعديلات المقترحة ويرونها خرقاً للدستور والقانون وهدماً للعقد الاجتماعي الحالي في البلاد».
4 مذكرات
وقبل أسبوع استكملت الحركة إجراءاتها بالإعلان عن خطة تحركات لمواجهة التعديلات، «تتضمن 4 مذكرات احتجاج لجهات رسمية، بينها مذكرة احتجاج إلى المجلس الأعلى للإعلام، ضد حجب الرأي الآخر عن كل أجهزة الإعلام المملوكة للدولة (إذاعة وصحافة وتلفزيون) بالمخالفة لمواد الدستور والقانون وتحويله إلى حوار حصري للمؤيدين وإقصائي للمعارضين والمطالبة بحصة متكافئة لمعارضي التعديل».
وسبق أن طالبت الحركة «المجلس المصري الأعلى للإعلام»، بـ«ضمان فرص متساوية لمعارضي التعديلات الدستورية في وسائل الإعلام».
ووجهت خطابا إلى رئيس المجلس الأعلى للإعلام، مكرم محمد أحمد، طالبت فيه بـ«إتاحة فرص متساوية في الصحف والإذاعة والتلفزيون لمعارضي التعديلات الدستورية المتداولة الآن أمام مجلس النواب».
قادة الحركة توافقوا على تشكيل تحالف سياسي واسع في مواجهة تعديلات الدستور الهادفة لاستمرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحكم حتى عام 2034، يضم أحزاب: الدستور، وتيار الكرامة، والمصري الديمقراطي، والتحالف الشعبي، والإصلاح والتنمية، ومصر الحرية، والمحافظين، والوفاق القومي، والعيش والحرية (تحت التأسيس)، والحزب الاشتراكي.
وستسمح التعديلات المقترحة للسيسي بالترشح لفترتين رئاسيتين جديدتين بعد انتهاء ولايته الحالية في 2022 وهي الأخيرة بموجب الدستور الحالي. كما ستمدد فترة الرئاسة الواحدة من أربع إلى ست سنوات، وتعزز أيضا دور الجيش وسلطة الرئيس على القضاء.
ويقول مؤيدو السيسي إن التعديلات ضرورية لمنحه مزيدا من الوقت لإكمال مشروعات تنموية كبرى وإصلاحات اقتصادية. ويقول منتقدوه إن التعديلات تركز مزيدا من السلطات في يد رئيس تتهمه جماعات لحقوق الإنسان بالإشراف على حملة صارمة على الحريات.