مدهش هذا العناد، الذي لم تبدّله السنون، لدى المناضلة اللبنانية سهى بشارة. إنها تروي حكايتها نفسها، محاولةَ الاغتيال التي قامت بها ضد أنطون لحد، قائد «جيش لبنان الجنوبي» المتعامل مع إسرائيل أثناء الاحتلال، وفي كلماتها العزم ذاته، كما لو أنها تولد اليوم من جديد في خضم اجتياح جنوب لبنان العام 78، ومن ثم اجتياح 82. وهي لا تتردد في القول في كل مرة إنها لو عاد بها الزمان لفعلت الشيء نفسه، عندما أطلقت من مسدسها طلقتين إلى صدر العميل.
هكذا ظهرت بشارة أخيراً على شاشة «أم تي في»، في برنامج «متلي متلك» لتحكي الحكاية من جديد، لكن، بالنسبة للكثيرين، من بينهم الشاشة التي ظهرت عليها، لم تعد حكاية محاولة الاغتيال والاعتقال هي الجديرة بالمتابعة والجدل والتعليق، فقد صارت البطولة ذريعة لمطلب اجتماعي (محق بالطبع) حيث لا تستطيع هذه اللبنانية، وسواها من اللبنانيات، التي قضت عشر سنوات في المعتقلات أن تمنح الجنسية اللبنانية لأبنائها السويسريين.
بالنسبة لي شغلني في مقابلة الـ «أم تي في» أمر آخر، إذ تتحدث بشارة عن سبب إحجامها عن قتل لحد في أول مرة أتيح لها ذلك، قالت إنه كان يتناول طعامه، وهي لذلك لم تستطع أن ترديه. وفي مقابلة سابقة على «فرانس24 « تفسر الأمر بأنه يعود إلى تربيتها، أو إلى البدويّ فيها، وأنها تشعر بأن القتل في تلك اللحظة (أثناء تناول الطعام) هو أقرب إلى الغدر. وهنا، في رجفة اليد وترددها، يكمن الجواب على سؤال، طرحه المذيع فعلاً، عن الفرق بين المناضل والمجرم القاتل.
لربما كان فعل الأكل قد حرّك الإنسانيّ فيها، رفع عندها شأن الحياة، قداستها، فوق أي اعتبار آخر. بعد ذلك، استطاعت بشارة مواجهة العميل لحد، اكتفت بطلقتين، وكان بإمكانها أن تفرغ المسدس، أرادتْهما رسالتين، واحدة تحية لأطفال الحجارة الفلسطينيين، والثانية رسالة للبنانيين بأن هذا هو الطريق.
لكن على ما يبدو فإن هذا العناد ليس بلا ضريبة، أو ربما هو نفسه ما يدفع إلى العماء في أمكنة أخرى، إذ إن سهى بشارة، الشيوعية المنتمية لحزب، عنيدة للنهاية في الدفاع عن «سلاح المقاومة»، حتى وهو يمارس القتل في سوريا، تقول إنه هناك، في سوريا، يحمي ظهره، وكذلك تصرّ على أن لا ترى في «الربيع العربي» سوى أنه «من أجل نسيان قضية العرب الأولى»، وتكتفي بأن ترى في الأنظمة الحاكمة فقط «أنظمة ديكتاتورية فاسدة، عاجزة عن احترام شعوبها».
في سيرة سهى بشارة ما يبعث على أمل ما، فمن ارتجفت يده ذات مرة أمام قاتل بحجم أنطون لحد، لا بدّ أن يرتجف قلبه ذات يوم وهو يستعرض ألبوم الصور الهائل للضحايا الذين قضوا في سوريا على يد «سلاح المقاومة» وأنصاره.
مع ذلك، في سيرة بشارة ما يبعث على أمل ما، فمن ارتجفت يده ذات مرة أمام قاتل بحجم لحد، كان يتحدث أمامها وهو يضحك عن أمجاده في «صبرا وشاتيلا»، لا بدّ أن يرتجف قلبه ذات يوم وهو يستعرض ألبوم الصور الهائل للضحايا الذين قضوا في سوريا على يد «سلاح المقاومة» وأنصاره.
مرشحك الكوميدي للرئاسة
بات الممثل الكوميدي فولوديمير زيلينسكي أقرب إلى منصب الرئيس الأوكراني بعد تصدّره أمس نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا، وسيتنافس زيلينسكي وبوروشينكو وحدهما في جولة الإعادة التي تجري يوم 21 الشهر الجاري.
زيلينسكي دخل حلبة السياسية بشكل مفاجئ، بعد أن لعب دور رئيس في مسلسل تلفزيوني كوميدي شهير في بلاده. وربما كذلك تأثراً بالرئيس الأمريكي الأسبق ريغان، بعد أن أدى صوته في وثائقي مدبلج.
كوميديون أقرب إلى مهرجين، يصعب أن يرتجي المرء منهم شيئاً غير الإضحاك المجاني، إن لم يكن الإضحاك كرمى لعين الديكتاتور
زيلينسكي (41 عاماً) من دون أي خبرة سياسية، حتى أنه اختار، في حملته الانتخابية، أن يقدم عروضاً مسرحية، لا أن يخطب بالحشود.
لكن وصوله إلى هذه المكانة، حيث ينافس ويتقدم على محنّكين في عالم السياسة والحكم، يثير المخيلة لجهة احتمال وصول كوميديين آخرين إلى منصب الرئاسة، تخيلوا مثلاً محمد هنيدي في وضع مماثل، أحمد بدير، باسم ياخور، عباس شاهين، (ومن قال إن رؤساء تلك البلاد أقل إضحاكاً!)، وعلى ما يبدو فإن الممثل السوري دريد لحام قد وصله خبر مرشح الرئاسة الأوكرانية، فقدم مشهداً مرتجلاً تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي يعتمر فيه قبعة الكاوبوي الأمريكي ويوقع على طريقة ترامب مرسوماً يهدي فيه ولاية كاليفورنيا الأمريكية للمكسيك، في رد على اعتراف الرئيس الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. فيديو ثقيل الظل يتناول موضوعاً حارقاً لا يحتمل المزاح، إن لم نقل إنه يترك إحساساً عارماً بالقهر.
كوميديون أقرب إلى مهرجين، يصعب أن يرتجي المرء منهم شيئاً غير الإضحاك المجاني، إن لم يكن الإضحاك كرمى لعين الديكتاتور.
الحبيبة سوريا
«الحبيبة سوريا» هو مشروع عرض موسيقي مسرحي راقص يرمي، حسب تصريح مصممه الموسيقار ناهل الحلبي لـ «سانا» وكالة أنباء النظام السوري، «إلى مخاطبة شعوب العالم حول واقع وحقيقة معاناة الشعب السوري جراء الحرب الإرهابية التي شنت على بلده».
تتكرر في الخبر، وفي تصريحات الحلبي، صيغة «الحرب الإرهابية على بلادهم»، موحية أن لا يد للنظام في تدمير البلد. إنها حرب من الخارج، مؤامرة كونية، إرهابية، الخ.
لكن الخبر ليس هنا، فهذا دأب النظام خلال السنوات الثماني الفائتة، الخبر في أن العرض الذي تهتم «سانا» بالترويج له (ويكفي أن يتحدث الحلبي لوكالة أنباء النظام كي تفهم في أي سياق يمضي عرضه)، وانطلق من مدينة مانتوا الإيطالية «ينفذ بدعم من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين وعدد من المؤسسات الدولية العاملة في المجال الإنساني الثقافي التنموي».
هذا هو حال سوريا اليوم، نظام يعزز انتصاره بمزيد من التوحش، مؤسسات معارضة فاسدة، ومؤسسات ثقافية تحكّم الموالين برقاب المعارضين، بتواطؤ أوروبي وأممي!
هناك مشاريع ثقافية وفنية عديدة مدعومة وممولة أوروبياً وأممياً تصب، بطريقة أو بأخرى، في مصلحة النظام، فهذا مشروع تلفزيوني درامي يأخذ على اسم سوريا ليشغّل فنانين وفنيين موالين للنظام، وهذا مشروع موسيقي يأخذ على اسم اللاجئين ويدور العالم من دون أن يقول كلمة ضد إرهاب النظام، وهذه مؤسسة ثقافية تقدم منحاً تدعو إلى لجان تحكيمها موالين بارزين للنظام، فتخيل كيف يمكن مثلاً لشاعر موال أن يحكّم نصوص شاعر معارض، وهذا معرض تشكيلي مدعوم من جهة ثقافية مستقلة وممولة أوروبياً لكنه لا يتورع عن تعفيش أبواب بيوت اللاجئين وتقديمها في معرض في دمشق.
هذا هو حال سوريا اليوم، نظام يعزز انتصاره بمزيد من التوحش، مؤسسات معارضة فاسدة، ومؤسسات «الجسور» (تلك التي تزعم أنها تبني جسوراً بين من بقي ومن هجّ) تحكّم الموالين برقاب المعارضين، بتواطؤ أوروبي وأممي!
٭ كاتب فلسطيني سوري