ويل كيمليكا: تعامل الدول مع أقلياتها لم يعد شأنا محليا
مختص بقضايا المجتمع والثقافة والسياسةويل كيمليكا: تعامل الدول مع أقلياتها لم يعد شأنا محليادمشق ـ القدس العربي ـ من انور بدر: حاول البروفيسور ويل كيمليكا في المحاضرة التي ألقاها علي مدرج مكتبة الأسد بدمشق أن يلقي الضوء علي الاتجاهات الفكرية في الدول الغربية أو الديمقراطيات الغربية التي تبحث عن قواسم مشتركة للتعامل مع الأقليات في العالم بشكل عام وفي الغرب بشكل خاص. والبروفيسور كيمليكا هو أستاذ كرسي في الفلسفة السياسية بجامعة كوين في كندا، حائز علي شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، وله عدد كبير من المؤلفات أهمها: الفلسفة السياسية المعاصرة، الليبرالية والمجتمع والثقافة، المواطنة في بلد متعدد الثقافات، المواطنة في المجتمعات التعددية، كما حاز علي عدد كبير من الجوائز الكندية والعالمية نتيجة لأبحاثه المعمقة في مجال المواطنة.وهو يزور سورية لأول مرة ملقيا مجموعة محاضرات في الجامعات السورية وفي مكتبة الأسد ضمن أيام الثقافة الكندية التي تقيمها السفارة الكندية بدمشق، تحت عنوان المواطنة. وقد التقته القدس العربي وكان الحوار التالي معه: هل أنت مهتم فقط بالأقليات في المجتمعات الغربية أم أيضا مهتم بالأقليات في الدول الأخري؟ بدأت الاهتمام بوضع الأقليات في كندا وحقوقها، ثم انتقلت إلي المقارنة ما بين وضع الأقليات في كندا ووضعها في الدول الغربية الأخري، ولكن في الخمس سنوات الأخيرة بدأت أدرس إمكانية تعميم النماذج الغربية بالتعامل مع الأقليات من قبل المجتمع الدولي في العالم أجمع. لقد وصل تدويل العلاقات مع الأقليات في الدول حدا ما عاد بالإمكان الرجوع عنه. ولقد انتهت إلي الأبد مقولة إن مسألة تعامل الدول مع أقلياتها هي قضية محلية وليس لها ما يهم المجتمع الدولي. ولا شك أن طريقة معاملة الأقليات ستكون أكثر فأكثر موضوعات للتدقيق من قبل المجتمع الدولي، وسوف يتم تقويمها وفقا للخطاب والمقاييس الدولية. وإنه لمن الأهمية بمكان أن نقرر ما إذا كانت القيم والفرضيات التي تركز هذه الخطابات والمقاييس هي قابلة للتطبيق في آسيا أو ما إذا كانت تعمم بشكل زائف التجربة الغربية. هل يمكن لنا أن نعرف بشيء من التفصيل ملامح نظريتك المعروفة بتجديد الليبرالية؟ بعد الحرب العالمية الثانية وبشكل خاص أثناء الحرب الباردة كان هناك محاولات داخل الغرب لتغيير وجه الليبرالية، إذ كانت الدول الغربية في حالة صراع مع الدول الاشتراكية السابقة، وهذا ما أدي إلي قمع بعض الوجوه الليبرالية القديمة مثل الوجه الاجتماعي لليبرالية والوجه الجماعي لليبرالية لان هذه الأفكار بشكل أو بآخر مرتبطة بالشيوعية، فلكي تظهر الليبرالية أنها مختلفة عن الشيوعية خففت إلي حد كبير من المظاهر الليبرالية الأصلية التي قد تتماثل أو تتشابه أو يساء فهمها باعتبار أن لها صلة بالشيوعية، ولذلك ما أعنيه بتجديد الليبرالية في الحقيقة هو عودة إلي الليبرالية الأصلية قبل أن تشوه في فترة ما بعد الحرب الكونية الثانية وخلال الحرب الباردة، وهذه الليبرالية فيها مجال كبير لقضايا التعددية والتنوع والغني والاهتمام بثقافة الآخر. ارتبطت الليبرالية لدينا بمفهوم الاستعمار والتوسع الكولنيالي، كيف يمكن الفصل الآن بين هذا الفكر الجديد وما يحصل حاليا من توسيع للإمبراطورية الأمريكية وطروحاتها الاستعمارية؟ يجب الاعتراف أنه تاريخيا كان هنالك بعض الليبراليين الذي كانوا يدعمون الاستعمار والتوسع الاستعماري، وهذا كان يتضمن بعض الأسماء الكبيرة في الليبرالية كجون ستيوارت ميل مثلا، الآن هناك مهمة كبيرة تقع علي عاتق المثقفين الليبراليين وهي إزالة هذا الدعم الليبرالي للاستعمار في العالم ، فواجب المثقفين الآن هو الفصل بين الليبرالية ومفهوم التوسع الاستعماري، وتنقية الليبرالية من الاستعمار، وهذا يجب أن يتم علي صعيد العلاقات الدولية كاعتراف الدول ببعضها البعض وإزالة ما علق من الشوائب الاستعمارية، ولكن يجب أيضا أن يتم علي صعيد العلاقات الداخلية في كل مجتمع كتعزيز الديمقراطية والاختلاف والتعدد، ففي بلد ككندا مثلا هناك شكل من أشكال التوسع الاستعماري داخل كندا في طريقة التعامل مع الشعوب الأصلية، لا بد إذا من تنقية العلاقات الخارجية والداخلية من كل أخطاء الدول والاستعمار، وخاصة في التعامل مع الأقليات وحمايتها داخل البلدان الديمقراطية. هل هناك رابط بين دعوتك لتجديد الليبرالية وبين ما يسمي بالعولمة وتداعياتها؟ أكثر نموذجين سائدين للعولمة هما النموذج الذي تقوده حاليا الليبرالية الجديدة المتمثل حاليا بإجماع الإدارة الأمريكية حول الجوانب الاقتصادية التوسعية، وهذه ليست لها علاقة بما ندعو إليه أو نعمل لأجله، فتجديد الليبرالية هو مفهوم مختلف تماما عن الليبرالية الجديدة، ولكن للعولمة جانب آخر يتجلي بمسائل: حقوق الإنسان والتعددية الثقافية وحقوق الأقليات .. وأنا أحاول الدمج ما بين تجديد الليبرالية وهذا الجانب الايجابي من العولمة. أي التركيز علي الجانب الإنساني والاجتماعي والثقافي في العولمة؟ بعض النظريين يميزون بين مصطلحين، العولمة المتوحدة أو المندمجة والعولمة غير المندمجة، فحسب الأول الوجه الذي يحاول إظهار أن العولمة يجب أن تقاد من الجهات التي بيدها السلطة والقوة (أمريكا مثلا)، والوجه الآخر الغير مندمج يقول إن العولمة هي العملية التي تقوم علي تحجيم القوة والسلطة وإعطاء المزيد من الحقوق إلي الفئات المهمشة، وأنا أحاول هنا دمج الوجه الثاني للعولمة مع دعوتي لتجديد الليبرالية خاصة فيما يتعلق بحقوق الأقليات والتعددية الثقافية، فالعولمة يجب أن تعطي الفئات المهمشة حقوقها ودورها الاجتماعي والثقافي والسياسي في المجتمع. كيف تقيّم الأحداث الأخيرة في فرنسا أوما أطلق عليه انتفاضة المهمشين؟ بداية فرنسا مختلفة عن كل الديمقراطيات الغربية فهي نموذج للمواطنة الجمهورية، تقوم علي أساس علماني صلب متين مئة بالمئة، وغير قابل للمساومة، وهي ليست كذلك أو بنفس الدقة في أمريكا أو كندا أو بريطانيا، وبالتالي كانت حكومة فرنسا عاجزة عن إجراء أي حوار بينها وبين أية مجموعة متدينة، وسبب ذلك يعود للثورة الفرنسية، حيث كان العدو الأساسي لها هو الدين، فكان الخيار العلماني خيارا حاسما، وهي رفضت أي حوار مع المجموعات الدينية لمناقشة أمورها، كونها تعتبر هذا خرقا لنموذجها العلماني الجمهوري المتجذر لديها من مئات السنين.انطلاقا من هذا نجد تقصيرا في البحث: من هم الفقراء أو المجموعات الأكثر فقرا في فرنسا من أجل مساعدتها، بينما في الدول الأخري (بريطانيا أو كندا أو أمريكا..) هنالك قانون يطالب بمساعدة المجموعات الأكثر فقرا أو المحتاجة أكثر، ولكن لكي تساعد هذه المجموعات لا بد من أن تحددها، وتقوم بإحصائيات لها، هذا الأمر غير موجود في فرنسا، الجميع يعرف أن الأفارقة في فرنسا هم الأكثر فقرا، ولكن ليس هناك إحصائيات لهم، وأنا ضد المفهوم العلماني الصريح الواضح الذي لا يميز نظريا علي الأقل بين المواطنين من أي جهة كانوا. حتي في مسألة المهاجرين نجد الاستثناء الوحيد في فرنسا، التي ما زالت تتمسك بسياسة هضم الوافدين ضمن ما يسمي بالمواطنة الجمهورية . ومع ذلك فحتي هناك ـ في فرنسا ـ فإن اللغة الرسمية للحكومة حول قضية التعددية الثقافية تكاد تختفي أمام الأفعال الحقيقية التي تمارس علي الأرض من احترام للأقليات والمجموعات الثقافية. لكن المشكلة الأساسية اجتماعية وليست دينية وقسم من الأفارقة الفقراء ليسوا مسلمين ؟ أنا موافق، وأحاول تفسير ما يجري، فليس هناك مؤسسات تقوم بالعمليات الإحصائية، لأن ذلك ضد الأيديولوجية الجمهورية، وليس لديها المدخل الذي يجعلها تميز الأقليات الأكثر فقرا والأكثر حاجة للمساعدة. فهناك إذا جانبان الجانب الواقعي المعروف والجانب الدستوري والقانوني الذي يمنع الحكومة من التدخل في هذه المشكلات. لكن المفكر بيكو بارك شكك في نظريتك ؟ يفترض السيد بيكو أنني أضع الليبرالية كشرط أولي لحل مشكلات الأقليات والتعددية الثقافية والمواطنة، وهذا الكلام غير صحيح، لأنه عندما يأتي مهاجرون من دول لا تعرف الليبرالية إلي دول ديمقراطية، فمن حق هذه الفئات المهاجرة أن تناقش كل القضايا بما فيها الليبرالية نفسها، وتتعرف علي وجهة نظر الآخرين من أجل وضع كل الأفكار والنظريات علي المحك، من أجل الوصول لحل نهائي وأخير لمشاكلهم، وأنا أوافق السيد بيكو علي هذا الموضوع، لكنني أري ضرورة أن يبلور الليبراليون وجهة نظر واضحة حول التنوع والتعددية الثقافية والمواطنة، لكي يحدث حوار ما بين طرفين ليبرالي وغير ليبرالي، وأنا أعمل علي بلورة نظرية ليبرالية في التعددية والتنوع الثقافي. 0