تجاوزت الكتابة الشعرية ثنائية القلم والورقة، وأصبحت تستحضر أدوات عديدة تيسر نزعة الاقتراب من بقية الفنون، وتجعل القصيدة المعاصرة تتقارب مع التشكيل الفني والتصوير السينمائي وغير ذلك من الفنون. فالنص الشعري المعاصر يطور جمالياته، لا بتجاوز هيكل البيت الشعري العربي والتخلي عن الأوزان والتقاط صور شعرية جديدة فحسب، وإنما بتوظيفه لأدوات كتابة جديدة تحضر في تخييل النص وتشكيل بنيته وصوره الشعرية. فإذا كان القلم يخط على الورق والأصبع ينقر على حروف الحاسوب، ويشكل النص كتابيا فإن التفكير في النص وترتيب صوره يتم بأدوات أخرى، ولعل البحث في هذه الأدوات كفيل بإضاءة جانب من لعبة الكتابة الشعرية الجديدة. هل يمكن قراءة النصوص الشعرية انطلاقا من أدوات كتابتها؟ وهل يمكن لهذه الأدوات أن تكشف جماليات النص الشعري؟
بهذه الخطة البحثية التي تقوم على تصنيف الأدوات، نحاول الاقتراب من المجموعة الشعرية لمفيدة الصالحي الموسومة بـ»رسم بياني للوقوف غرقا». فالشاعرة تشيد كونها الشعري بوسائل وأساليب مختلفة، وتبحث عن جماليات نصها بجملة من الأدوات. فهي تنظر حينا نحو زاوية المرآة وأحيانا أخرى تمسك بالأطراس وقطع الصلصال وأحيانا بقلم التلوين الأسود.
1 ـ المرايا:
هي كتابة عبر المرآة فالشاعرة تتطلع إلى المرآة المقابلة لها ولنصها، لتصف ما فيها. إنها الكتابة بمرايا النرجس نسبة إلى نرسيس، على حد تعبير الشاعر محمد الغزي. تلك المرايا التي يلتفت إليها الشاعر فتصبح الكتابة تأملا في الذات والفعل الإبداعي، ويختلط الصوت النقدي بالصوت الشعري فيعلق الشاعر على نصه تعليقات مختلفة، تنصب على النص وعلى الكتابة وهمومها. وهو ما يجعل النصوص تحمل بين طياتها ما اصطلح عليه بالخطاب الواصف أو الميتاشعري وهو خطاب يتصاعد حضوره في القصيدة الشعرية المعاصرة، خطابا نرجسيا نقديا يجاور الإبداعي ويعلق عليه، وهو خطاب قلق ومزدحم، كثيرا ما عبّر عن رغبات التجاوز والتحدي، معلنا وعيا معينا بالكتابة ومنهمكا في التنظير لها. هذا الخطاب الواصف أو الميتا شعري يظهر جليا في هذا الكتاب، فتصور لنا الشاعرة مخاض الكتابة وطقوسها ومعاناتها ومناهجها. فيبدو سؤال الكتابة سؤالا لافتا تخوض فيه في ثنايا عملها.
تتصدر العناوين تجليات هذا الخطاب، فالعنوان يحمل وظائف عديدة منها الوصفية والتعيينية والإغرائية والإيحائية، وهي وظائف استباقية للعمل وتعليق مسبق من الكاتب على النص، ولعله يحيطنا بخطوطه الكبرى. وعنوان مجموعتنا لا يشذ عن هذا المسار. فقد اختارت الكاتبة أن تشاكسنا بتركيب رسم بياني الوافد من مجال العلوم والهندسة وعالم الرسم العلمي. وهي إشارة إلى اعتزام الشاعرة الخروج عن النمط… وإذا كان هذا التركيب إشارة إلى فن الكتابة، فالغرق وقوفا على صلة بالمعنى والحالة الشعرية وهو ما يكشف عنه المتن. وتسعفنا الشاعرة في نصها الأول وهو نص بمثابة بيان الكتابة بما يبدد هذه الحيرة «يكفي حين أغرق واقفة أن يطفو مني هذا الرسم البياني الدقيق لكل أصوات الصمت وصراخ الفقاعات في دمي رسم لكل ما قاله الندى ولم تقله العاصفة»، فهي كتابة تحاول الخروج من خطاب الصوت الواحد، فإذا العتبات تفتح الباب لكل الأصوات، وتحاول اختراق الصمت».
يتنوع خطاب المرايا داخل النصوص ويحوز مساحات مهمة فيصور طقوس الكتابة ومناخاتها، ويستعيد صورة الشاعرة وهي بصدد الكتابة. ولعل ذلك من ثيمة الخطاب الواصف:
غيرت مكان الطاولة
غيرت وجهة الكرسي
كتبت نصا أنيقا على الشاشة
ومحوته بلمسة زر»
يقترب النص الشعري اليوم من العمل الفني التشكيلي فيستعين حينا بفن النحت وحينا بفن الكولاج وبفنون الرسم المختلفة، فتبدو القصيدة منحوتة رخامية أو لوحة تشكيلية.
ولا يخلو هذا الخطاب من مواقف من الكتابة فتطرح الشاعرة رؤاها ومواقفها من الكتابة ولعلها تميل إلى النص المشتبك الذي يتفاعل مع الأوجاع والآلام:
«لا يعجبني النص بحزن يلمع من وراء الزجاج
بأظافر مقلمة ونظارات
نص لا يتنفس الكوليرا
خال من الأسلحة الكيمياوية»
فنصوص مفيدة الصالحي تبدو منهمكة في هذا الخطاب الواصف الذي يبث بين ثنايا نصوصها، وهو بدوره خطاب لا يخلو من صياغة شعرية وتصوير. ويرد أحيانا في شكل استعارات تصورية، فهي تستعير في إحدى قصائدها صورة القصور العربية، وتجعل الشعر أميرا والشاعرة خادمته المطيعة، وهذه الصورة تحيل إلى العلاقة الخاصة للشاعرة بشعرها وعلى ما تجمعها به من صلات.
محظية جدا في قصور الشعر
مثل محظيات العصور القديمة
….
غير إنهن يرقصن جماعات حول موائد القرابين
لتسلية أرواح الموتى
وأنا أرقص وحدي
لتكريم جثث الأحياء
2 ـ كتابة الأطراس
يطلق التطريس على الكتابة التي تكتب على اثر ما امحى وهو وسيلة للتفاعل بين النصوص والتناص. وهو من مصطلحات جينيه التي وسم بها التفاعل النصي والتناص. وهو ما لا يغيب عن هذه التجربة، فللشاعرة أطراسها التي تعيد بواسطتها صياغة العالم وحكاياه ونصوصه، وإطلاقها في فضاء جديد، في هذا العمل مرات مختلفة، إنها الكتابة على الآثار الدارسة وعلى جدران الذاكرة.
تستعمل هذه الأطراس فتمحو «عرس الذيب» و»ليلى والذئب» وحكايات الجدة والمثل الشعبي وقصيدة الشاعر وتقيم على آثارها ورواسبها خطابا جديدا، لذلك يمكن القول إن من جماليات هذه الكتابة هي التفاعل مع نصوص الذاكرة ومع الطفولة ومع الثقافة المحلية. ولعل هذا التفاعل يبدو في جوانب منه تفاعل الشعري مع السردي، إنها الكتابة بإيقاع الذاكرة.
3 ـ صلصال:
يقترب النص الشعري اليوم من العمل الفني التشكيلي فيستعين حينا بفن النحت وحينا بفن الكولاج وبفنون الرسم المختلفة، فتبدو القصيدة منحوتة رخامية أو لوحة تشكيلية. هذه الأدوات تستحضر مفيدة الصالحي بعضها وهي تشكل صورها الشعرية فتحاول استعادة صورة الصلصال، وهو المادة اللينة التي يمكن أن تصنع منها مواد مختلفة لتوليد صور شعرية عديدة:
أعجن فكرة الحب في شكل قلب أحمر
وفكرة السفر في شكل قطار والموسيقى في شكل ناي
المطر ثعبان والمطر غيمة…
4 ـ قلم تلوين أسود:
ولعلنا ننسب حضور السواد في هذه القصائد إلى إحضار قلم التلوين الأسود، إذ يطغى على هذه القصائد طابع الانكسار والألم، فهي قصائد مشبعة بالأحزان والشكوى من الزمن والعالم، فكأن الشاعرة تلون شعرها بالسواد. لعل ذلك يلوح في عناوين القصائد التي تغلب عليها معاجم السواد والألم:
مع فارق توقيت في الهم – ليس هذا ما يذكر عن الفقد – السقوط إلى أعلى- رسم بياني للغرق وقوفا – بيانات الصندوق الأسود للسنة الجديدة – كأصابع قلقة – كذبة سوداء- صخب السؤال في العتمة…
ولعل هذه العناوين تقودنا إلى كتابة قلقة ومنكسرة:
«يا فلاحة الألم لن نورق أبدا ونحن نطل على ساقية الماء من النافذة
انكسرت الدوافع قبل أن تضع طلاء الأظافر
وتبتسم للطريق»
لعلها كتابة الخيبة من الراهن وكتابة أسئلة الضياع:
تبادلنا الكبرياء وعربدة الأضداد
وأنفقنا كل الوسوسات
بشراهة عصافير الصيف أوان الحصاد
الآن انتهى حفل المعراج
وأذن للسقوط»
لعل هذه الأدوات التي قصرنا العمل على تأملها لامست بعضا من اللعبة الشعرية في هذه المجموعة وكشفت بعضا من جمالياتها وعوالم كتابتها. فالواضح أن مفيدة الصالحي لا تكتب نصا من فراغ، وإنما تضمر وعيا معينا بالكتابة ورؤية خاصة للراهن.
٭ كاتب تونسي