رغم مساعي التسوية والمحاولات لتحقيق وقف للنار، تجد إسرائيل صعوبة في إعادة الهدوء والتهدئة إلى حدود القطاع. فإطلاق الصواريخ نحو بلدات غلاف غزة يتواصل بلا انقطاع، إلى جانب أعمال إخلال عنيفة بالنظام على طول الجدار؛ إطلاق البالونات المتفجرة والحارقة ومحاولات التسلل إلى الأراضي الإسرائيلية.
في ضوء الصعوبة في إحلال التهدئة، ثمة من يدعون إلى إعادة الجيش الإسرائيلي إلى غزة واحتلال القطاع. لا شك في أن الأمر في متناول يد الجيش الإسرائيلي، ولكن السؤال كم يوماً سيحتاج الجيش ليهزم حماس، بل ماذا سيحصل في اليوم التالي لاحتلال القطاع؟ للدقة، كم من الوقت سيمر قبل أن تضطر إسرائيل إلى سحب قواتها تحت الضغط الدولي؟ وحتى لو منح الرئيس ترامب إسناداً كاملاً لحكومة إسرائيل، يمكن أن نتساءل في غضون كم من الوقت سترتفع في الجمهور الإسرائيلي الدعوات لإعادة الأبناء إلى الديار وترك غزة إلى الغزيين، أي ترك مصيرهم من جديد في أيدي حماس؟
يمكن الأمل عبثاً أن توافق مصر أو حتى أبو مازن أن يأخذا على عاتقهما إدارة القطاع. ومع ذلك، ليس معقولاً الافتراض بأن مصر ستوافق على سفك دماء جنودها كي تقاتل حماس، ومشكوك أن يكون لأبو مازن القدرة على أن يفرض نفسه حاكماً على القطاع، وهو الذي فقده لحماس قبل نحو عقد.
في إسرائيل هناك من يسعون لأن يحولوا حماس إلى حزب الله، فبعد كل شيء هذا هو المعنى للدعوة إلى تحقيق «هدوء لبناني» على حدود القطاع: فك الارتباط التام والوصول إلى تسويات وتفاهمات مع حماس مثل تلك التي تحققت مع حزب الله. غير أنه من أجل تحقيق هدوء تام على حدود القطاع، على حماس أن تكون قوية مثل حزب الله وحرة من القيود والإغلاق التي تعيشها اليوم.
فبعد كل شيء، حتى من يتباهون بالهدوء السائد على الحدود الشمالية، لا يمكنهم أن يتجاهلوا ثمنه: تزود حزب الله بأكثر من مئة ألف صاروخ تغطي معظم أراضي إسرائيل. ليس مؤكداً أن شراء الهدوء والتهدئة المؤقتين على حدود القطاع يستحق مثل هذا الثمن.
ليس لدى حماس ما تخسره ومعركتها معركة بقاء.. وتقبل بالزهيد
من المهم أن نتذكر بأنه حتى للهدوء السائد في هذا الوقت على حدود الشمال قد يكون تاريخ نفاد مفعول، وعندها سيتبين مرة أخرى بأن صواريخ حزب الله لا تصدأ في المخازن. وأن المسدس من المعركة الأولى قد يطلق النار في المعركة الأخيرة.
إن الواقع السائد اليوم على حدود القطاع ليس مريحاً لإسرائيل، ولكن لا يجب جعله هزيمة إسرائيلية، ولا انتصاراً لحماس. فالمكان الوحيد الذي تنتصر فيه حماس هو وسائل الإعلام الإسرائيلية التي لأسباب حزبية و«اتساع النشر» تجعل منظمة مضروبة ومهزومة منتصرة.
تعيش حماس اليوم في شرك، فهي غارقة حتى الرقبة في الوحل الغزي، وتدير معركة بقاء ليس لها فيها أي أمل حقيقي للانتصار.
في عهد حكمنا، جعلت حماس القطاع منطقة مصابة بالمصيبة، سكانها يعيشون ضائقة اقتصادية لا سابقة لها. هم وأبناؤهم عديمو الأمل لمستقبل أفضل.
والآن فإنها تبعث بشبان غزة للموت على طول جدران الحدود في كفاح خاسر مسبقاً. حماس منعزلة عن العالم العربي والأسرة الدولية مثلما لم يسبق لها أن كانت، وهي بين المطرقة المصرية والسندان الإسرائيلي، فتفقد تأييد سكان القطاع، الذين يحملونها المسؤولية عن مصيبتهم.
عندما تكون مضروبة وضعيفة، ليس لحماس ما تخسره، ومن هنا صعوبة إسرائيل في ردعها وإقامة ميزان رعب وردع حيالها. ولكن بضعفها تستعد حماس لأن تقبل حتى بالزهيد الذي تعرضه عليها إسرائيل: دفع رواتب ومبالغ مالية زهيدة لمشاريع اقتصادية تتيح لها إنهاء الشهر، وليس أكثر من ذلك.
مثل مواجهاتها مع أعداء آخرين في المنطقة، فإن صراع إسرائيل مع حماس لن ينتهي «بضربة واحدة وانتهينا». هذا صراع متواصل الجانب الذي يبدي فيه مثابرة وعناداً، مثلما يبدي ضبط النفس أيضاً، هو المنتصر. حماس في طريق مسدود وبلا أمل بأي مستقبل. لا مواجهة ولا تسوية ستغيران هذا الواقع.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 2/4/2019