كيف نجح اردوغان في تحقيق «اختراق تاريخي» في مناطق ذات أغلبية كردية ساحقة؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: رغم تراجع أصوات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بشكل عام وخسارته رئاسة بلديات كبرى مهمة في الانتخابات المحلية/البلدية التي جرت الأحد الماضي، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نجح في تحقيق «اختراق تاريخي» في مناطق ذات أغلبية كردية ساحقة شرقي وجنوب شرقي البلاد.
وبينما خسر اردوغان محافظات مهمة كهاتاي، وازمير، وفقد السيطرة على انطاليا وأنقرة وسط جدل متواصل حول مصير الفائز بمحافظة إسطنبول أكبر وأهم محافظات البلاد، نجح حزب العدالة والتنمية لأول مرة في تاريخه بالفوز في ثلاث محافظات تسكنها أغلبية مطلقة من أكراد البلاد في تحول غير مسبوق حمل دلالات مهمة جداً على الصعيد الداخلي.
وعلى الرغم من أن أصوات الأكراد كانت أحد أبرز أسباب تمكين مرشحي المعارضة من الفوز في المحافظات الداخلية الكبرى كإسطنبول وأنقرة، إلا أن أكراد بعض المحافظات في أقصى شرقي البلاد كان لهم رأي آخر للتصويت لحزب العدالة والتنمية.
ففي محافظة أغري، أقصى شرقي البلاد، فاز مرشح العدالة والتنمية بحصوله على أكثر من نسبة 55٪ من أصوات الناخبين، في حين حصل مرشح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي على 37٪ فقط من الأصوات، وذلك بعدما كان مرشح الحزب الكردي (حزب السلام والديمقراطية) في الانتخابات الماضية قد حصل على أكثر من 51٪ من الأصوات.
كذلك في شرناق، المحافظة الواقعة على الحدود العراقية، أقصى جنوب شرقي البلاد، والتي كانت أبرز معاقل حزب العمّال الكردستاني، فاز مرشح العدالة والتنمية عقب حصوله على قرابة 62٪ من أصوات الناخبين، مقابل 35٪ لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذي حصل (باسم حزب السلام والديمقراطية) في الانتخابات الماضية عام 2014 على 60٪ من الأصوات في فارق يظهر التحول الكبير جداً في توجهات الناخبين الأتراك بهذه المحافظة. كما استطاع مرشح حزب العدالة والتنمية من الفوز في محافظة بتليس شرقي البلاد، عقب حصوله على أكثر من 43٪ من أصوات الناخبين في المحافظة، التي كان يسيطر عليها الحزب الكردي الرئيسي، وبشكل عام تمكن اردوغان من رفع نسبة التصويت له بدرجة أقل في محافظات ذات أغلبية كردية جنوب شرقي البلاد.
هذا التحول الذي وصف بـ«التاريخي» تمثل لأول مرة في توجه الناخبين الأكراد لمنح أصواتهم بناءاً على مقياس الخدمات البلدية والحياتية بعيداً، عن التوجهات الأيديولوجية، والقومية، التي ظلت لعقود تحكم تصويتهم للأحزاب الكردية حصراً. وبالنظر إلى أسباب هذا التحول، فإنه لم يكن مفاجئاً كثيراً لا سيما للرئيس التركي نفسه، كونه جاء كنتيجة طبيعية وتدريجية لبرنامج سياسي وخدماتي عمل عليه منذ وصوله إلى الحكم، قبيل 17 عاماً، رفع خلاله أصوات حزبه تدريجياً في هذه المناطق طوال الانتخابات الماضية، لكنه المرة الأولى التي وصل فيها لمرحلة السيطرة على محافظات مهمة هناك.
وإلى جانب اعتماده على الشريحة الأساسية الداعمة له والمتمثلة في المحافظين الأكراد المبتعدين عن الحزب الكردي الرئيسي ذو التوجهات اليسارية، فإنه ركز بشكل أساسي على سياسة الخدمات وتطوير الاقتصاد وتعزيز المشاركة السياسية للأكراد.
ومن أبرز العوامل التي ساعدت اردوغان في الوصول إلى هذه النتيجة أيضاً، تمكنه من تحقيق تقدم كبير جداً في الحرب على تنظيم «بي كا كا» داخل المحافظات ذات الأغلبية الكردية جنوب شرقي البلاد، ونشر الجيش والأمن بشكل كثيف في تلك المناطق، وبالتالي انهاء حقبة الاشتباكات والحروب، إلى جانب أن انتهاء سيطرة ونفوذ «بي كا كا» في تلك المناطق مكن السكان من المشاركة في الانتخابات بحرية كاملة، بعد أن كان التنظيم يلاحق ويقتل مرشحين وداعمين أكراد لحزب العدالة والتنمية.
إلى جانب ذلك، عمل اردوغان عقب فرض الأمن، على برنامج لإعادة تأهيل وتطوير تلك المناطق من حيث إعادة بناء البيوت المهدمة وتطوير الطرق والمواصلات والخدمات وصولاً لبناء مطارات حديثة، وهو أعاد إلى هذه المناطق الحياة من جديد وأعاد لها الحيوية الاقتصادية وجعل السكان يرغبون في تعزيز سلطة الدولة والحزب الحاكم في مناطقهم.
كذلك، قام اردوغان، وبعدما أقال رؤساء بلديات تلك المناطق، بتهمة ارتباطهم بحزب العمّال الكردستاني، بتعيين أوصياء تابعين للحكومة على تلك البلديات ووفر لهم إمكانيات هائلة أثبت من خلالها قدرته على تقديم خدمات أفضل وأوسع لهم، ومع تقديمه أدلة على إهدار رؤساء البلديات التابعين لحزب الشعوب الديمقراطي إمكانيات تلك المناطق في سبيل دعم تنظيم «بي كا كا».
وفي خطابه الأول عقب نتائج الانتخابات، قدم اردوغان شكره لكل من صوت لحزب العدالة والتنمية، وقال «أخاطب بشكل خاص أخوتي الأكراد، وأقول لهم رسالتكم وصلت»، واعداً بتقديم مزيد من الخدمات لتلك المناطق خلال المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن هذا التغير يصب ليس في مصلحة الحزب الحاكم فقط، وإنما يؤسس لمرحلة جديدة من تعزيز رغبة سكان المناطق ذات الأغلبية الكردية جنوب شرقي البلاد في الاندماج بالمجتمع والحصول على خدمات حكومية متساوية والابتعاد عن تبني الخيار العسكري والمطالبات بإقامة دولة منفصلة أو حكم مستقل في تلك المناطق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية