كشفت الأحداث الأخيرة عن هشاشة وتبعية الإعلام في اليمن، وارتكازه على أسس تخدم الساسة ولا تخدم الشعب بأي حال من الأحوال. في اليمن كغيره من الأقطار العربية هناك ثلاثة اتجاهات للإعلام وللأسف ليس هناك اتجاه واحد نستطيع ان نقول انه يمثل المصلحة العليا للبلاد وللموطنين، بقدر ما يمثل المشاريع الصغيرة والأهداف الضيقة لهذا الحزب أو ذاك، أو تلك الجماعة أو هذه الوجاهة.. فهناك مثلا إعلام رسمي يدفع له المواطن الضرائب ليعبر عن همومه وتطلعاتهن فإذا به مجرد زوجة مكسورة في بيت الطاعة، مهمته الوحيدة تقديم آيات الولاء والتعظيم للآلة الحاكمة حتى أنه في كثير من الأحيان يضع النظام الحاكم في مرتبة أعلى من الوطن؛ ليس هذا فحسب بل انه يتحول إلى أداة لتبرير فشل السلطة وتمرير شعارات بائسة تربط شخص الحاكم ببقاء الوحدة والأمن والاستقرار والتنمية في البلاد.. وكأن اليمن الذي أنجب أولئك العظماء الذين صنعوا تاريخ العروبة والإسلام قديما يعجز عن إنجاب من يصنع التغيير حديثا، فبات مجرد بوق يبيع مصداقية وقداسة الرسالة الصحافية والاعلامية في سوق المزايدة والنفاق بثمن بخس؛ بل خرج إلى ما هو ابعد من ذلك وسمح لنفسه بمنح صكوك الولاء والمواطنة الصالحة لكل من يتبنى مشروعا مواليا للنظام وطرد من يخالفه الرأي من قواميس الصلاح.. إعلام لا تتعدى رسائله العصماء الذي يجترها منذ عقود آذان القائمين على إعدادها وتحريرها. وفي اليمن أيضاً إعلام حزبي يعجز عن التعبير عن نفسه، فكيف له أن يعبر عن قضايا وتطلعات الامة؟ اعتاد أن يكون مجرد منبر لقيادات حزبية بينها وبين الشعب هوة شاسعة لا يمكن أن يردمها ذاك الخطاب الركيك ولا تلك السياسة الإعلامية القائمة على انتهاز الفرص والصيد السهل، حيث يرتفع وينخفض ترمومتر هذا النوع من الإعلام حسب درجة المصلحة الحزبية البعيدة تماماً عن مصلحة عامة المواطنين.
وفي اليمن اتجاه ثالث للإعلام يدعي الاستقلالية والحيادية، لكنه لا يفقه كثيراً ماذا تعني الاستقلالية ولا يدرك ماهية الحياد والموضوعية، حيث يصر في تغطيته للاحداث على تبرير وجهات نظر جميع الاطراف أو وضعها في نفس الأطر أو في ذات البوتقة الناقدة، من دون ان ينتبه إلى ان الموضوعية هي الانحياز للحق، سواء أكان مع هذا الطرف أو ذاك ومن باب أولى الانحياز للحق هو الانحياز للشعوب المقهورة، على اعتبار ان الأمة لا تجتمع على خطأ، وبالتالي فالموضوعية الاستقلالية ليست شعارا نشنقه في ترويسة الصحف الصادرة أو في شعارات القنوات والمحطات العاملة، لكنها مجموعة مبادئ مهنية تساعد على تقديم رسائل إعلامية تؤثر في الشارع وتتأثر به وتساهم في صناعة التغيير الذي يلبي مصالح الشعوب.
وعليه فصانع السياسة الإعلامية في اليمن وفي العديد من الأقطار العربية التي شهدت حركات مماثلة لايزال يعيش في كنف النظرية الإعلامية السلطوية والاشتراكية، متجاهلاً المتغيرات التكنولوجية والاجتماعية التي تحتم عليه احترام عقل القارئ او المستمع او المشاهد، من خلال تقديم الحقائق والمعلومات الموضوعية، وبما يحقق مصالح البلاد والعباد، بل والمسارعة في تقديمها والإبداع في استخدام أساليب التوصيل، إذا أراد حقاً المنافسة والاستمرار وكسب ثقة الجماهير التي باتت تمتلك ملايين الخيارات والبدائل للبحث عن مبتغاها في الحصول على الحقيقة والمعلومة المجردة بمجرد كبسة زر على ‘الريموت كنترول’ أو على الشبكة العنكبوتية في هذا الفضاء المفتوح. عليه إن يدرك إن من السخف التعامل مع جيل الفيس بوك والتويتر بعقلية أبو لهب أو ضوابط الملك الأعظم أو القوانين الماركسية. هناك شباب يتطلع إلى المستقبل برهنت الاحداث انه قادر على صناعة الحدث وإرسال صوته للعالم بشتى الطرق والوسائل وعليه فان لم يكن الإعلام حاضنا لهذا التوجه وهذه التطلعات فانه سيظل يغرد خارج السرب.
دولة الحصباني – صنعاء [email protected]