صفقة «اس400»… هل ستكون الخط الفاصل بين تركيا وأمريكا؟

حجم الخط
0

كان يبدو أن العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا أصبحت على مسار إيجابي بعد أن أطلقت المحكمة في تركيا في تشرين الأول 2018 سراح القس الأمريكي اندرو برنسون، لكن تصميم أنقرة على التمسك بصفقة أنظمة الدفاع الجوي «اس 400» بمبلغ 2.5 مليار دولار، مع روسيا، التي يمكن أن تخرج إلى حيز التنفيذ في النصف الثاني من 2019 وفي أعقاب ذلك نية الولايات المتحدة منع بيع طائرات اف 35 لتركيا، تشكل في الوقت الحالي مسألة الخلاف الرئيسية بين الدولتين. يشار إلى أن أنقرة واصلت التمسك بتنفيذ الصفقة مع روسيا حتى بعد أن اقترحت الإدارة الأمريكية كبديل بيعها صفقة من قدرات الدفاع الجوي، يكون في أساسها بطاريات الباتريوت. يبدو أن المواجهة حول شراء الأنظمة من روسيا تشكل صعود درجة بارزاً في معركة التوتر التي ميزت علاقة الدولتين في السنوات الأخيرة. العوامل الرئيسية في الخلفية هي:
٭ الحرب الأهلية في سوريا واستياء تركيا من الدعم الأمريكي للفرع السوري من التنظيم السري الكردي والذراع التنفيذي الذي يحارب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) و«واي.بي.جي» (قوات الحماية الشعبية)، في إطار القوات السورية الديمقراطية الذين يضمون أيضاً جهات عربية. في هذه الأثناء تجد الدولتان صعوبة في التوصل إلى تفاهمات حول طرق العمل المناسبة بعد هزيمة داعش وقرار الرئيس الأمريكي سحب معظم القوات الأمريكية من سوريا. مسألة الخلاف الرئيسية هي حول مستقبل القوات الكردية. في حين أن الإدارة معنية بضمان أمن حلفائها، الأتراك يواصلون اعتبارهم تهديداً ومعنيون في توسيع نفوذهم في شمال سوريا.
٭ التطورات الداخلية في تركيا وعلى رأسها الخطوات التي اتخذها الرئيس أردوغان لتوسيع وتعميق قوته السياسية من خلال المس بشكل كبير بالنسيج الديمقراطي في الدولة، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في تموز 2016. هذه التوجهات اشتدت، وتسليم الواعظ الديني فتح الله غولان من الولايات المتحدة الذي يعتبر في أنقرة الشخص الذي وقف وراء محاولة الانقلاب، تضمنتها قائمة مطالب أنقرة من واشنطن. أردوغان ومؤيدوه يستخدمون على الأغلب الخطاب العدائي تجاه الإدارة الأمريكية وخطوات الولايات المتحدة في المنطقة من أجل تعزيز روايتهم التي تقول إن مصدر مشكلات تركيا هو خارجي ويحدث على أيدي جهات خارجية شعرت أن تركيا قد زادت قوتها أكثر من اللازم في العقد الأخير. في نفس الوقت، تركيا تواجه مشكلات اقتصادية معقدة وانخفاضاً كبيراً في قيمة الليرة التركية مقارنة مع الدولار. أثناء التوتر حول اعتقال القس برنسون، أمر الرئيس ترامب بفرض رسوم مرتفعة على استيراد الفولاذ والألمنيوم من تركيا، ولكن في المقابل، في تشرين الثاني 2018 منح إعفاء لتركيا لمدة ستة أشهر من العقوبات على شراء النفط من إيران. ومهما كان الأمر، أردوغان يكثر من اتهام أمريكا بأنها لا تفي بتعهداتها لتركيا.
٭ الخطوات الدراماتيكية التي تتخذها إدارة ترامب بالنسبة لإسرائيل، وعلى رأسها اعتراف أمريكا بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إلى المدينة، وتوقيعه على بيان يعترف بسيادة إسرائيل في هضبة الجولان. تركيا أدانت الخطوتين بشدة وكانت من قائدات معارضتها في أوساط الدول الإسلامية. أيضاً دعم أمريكا لمحور إسرائيل ـ اليونان ـ قبرص الذي وجد تعبيره في وجود وزير الخارجية الأمريكي في لقاء مع رؤساء هذه الدول في آذار الماضي، اعتبر خطوة مناوئة لتركيا.
مع ذلك، بالنسبة للإدارة الأمريكية يبدو، وهكذا كما يبدو تم التوضيح لتركيا، بأن شراء أنظمة اس400 من روسيا هو خطوة واحدة أكثر من اللازم. من تقارير قدمت للكونغرس يتبين أن الإدارة أوضحت لتركيا في نهاية العام 2018 بأنه سيكون لاستكمال الشراء تداعيات شديدة. نائب الرئيس مايك بينس صرح في شباط 2019 بأن بلاده لن تعارض، في الوقت الذي فيه الدول الأعضاء في الناتو تشتري أنظمة سلاح من أعدائنا. المتحدث بلسان البنتاغون قال في 9 آذار إنه «إذا أخذت تركيا اس400 سيكون لذلك تداعيات شديدة من ناحية العلاقات العسكرية معها، وبخصوص بطاريات الباتريوت وطائرات اف 35». تركيا هي جزء من الكونسوريوم الدولي الذي يطور طائرة اف35، الاستثمار زاد عن مليار دولار في مشروع. وهي من شأنها أن تشتري 100 طائرة. طيارون أتراك يتدربون الآن في الولايات المتحدة على قيادة الطائرتين الأوليين اللتين ستصلان إلى تركيا حسب ما هو مخطط في تشرين الثاني 2019. فاستمرار صفقة اف35 ليس هو فقط الذي يقف على جدول الأعمال، بل أيضاً استمرار شراء مرتبط بأسطول طائرات اف16 وطائرات مروحية من طراز «تشينوك» و«بلاك هوك» لسلاح الجو التركي. وأيضاً التعاون الأمني بين الدولتين، خاصة القائم في قاعدة سلاح الجو انجرليك، موجود في خطر، وهناك احتمال لتقليص حجم العلاقة مع الناتو.
منذ نجاح روسيا وتركيا في التغلب على الأزمة بينهما التي تطورت في أعقاب إسقاط الطائرة القتالية الروسية في تشرين الثاني 2015، في الولايات المتحدة وفي دول الناتو وغيرها يزداد الخوف من العلاقة التي تتقوى بين الدولتين ومن خطر أن يتم استكمال صفقة شراء أنظمة اس400. وهي ستؤدي في أعقابها إلى تسرب تكنولوجيا حساسة في أعقاب الانكشاف المحتمل لروسيا على أنظمة يستخدمها الناتو. تصميم تركيا على تنفيذ صفقة الشراء يعزز في الولايات المتحدة وفي أوساط حلفائها في الناتو التقدير بأن الخطوات التي يقودها أردوغان تعبر عملياً عن نية تغيير توجه تركيا من الغرب نحو علاقة أكثر قرباً مع روسيا. أو على الأقل اختيار تركيا الذهاب في مسار مستقل عن الغرب. في كل الأحوال، من الواضح أنه بالنسبة لروسيا فإن بيع وسائل قتالية متطورة لتركيا يعبر عن نجاحها في دق إسفين بين أنقرة وحلفائها في الغرب، ويعتبر تعزيزاً آخر لنجاحها في ترسيخ نفوذها في المنطقة.
الانطباع السائد هو أن تهديد الإدارة الأمريكية بتأخير تزويد طائرات اف35، وفي المقابل الاستعداد لأن تعرض على أنقرة رزمة مع قدرات بديلة عن اس400، تعبر عن أمل واشنطن في أنه يمكن منع توجه أردوغان نحو روسيا. إضافة إلى ذلك، حتى الآن ورغم سلوك الرئيس أردوغان التصادمي فإن الإدارة حرصت على إدارة العلاقة مع أنقرة من خلال هدف العثور على طرق لمنع بقدر الإمكان تدهور آخر. في هذا الإطار تستمر طوال الوقت العلاقة الوثيقة مع القيادة التركية وخلال ذلك اتصالات مستمرة وسياسية وعسكرية على كل المستويات، وكذلك محادثات هاتفية متواصلة بين الرئيسين. بالنسبة للإدارة الأمريكية فإذا لم يعد بالإمكان اعتبار أنقرة حليفة فإنه سيكون لذلك معان استراتيجية كبيرة، يمكنها زعزعة الافتراضات الأساسية التي توجد في الانتشار الإقليمي للولايات المتحدة والناتو. وكما نذكر، فإن للولايات المتحدة قوات عسكرية، منها طائرات قتالية، في مطار انجرليك وفي مواقع أخرى في أرجاء تركيا. مع ذلك على الأقل حتى الآن محاولات الإدارة في أن تؤدي إلى تغيير توجه تركيا لم تنجح. بناء على ذلك، من المعقول أنه على خلفية تصميم الأتراك على تنفيذ الصفقة مع روسيا، تعززت أكثر الآن في الإدارة الأمريكية وفي دول الناتو الأخرى (حتى لو كان لا يزال غير واضح أن أعضاء الناتو سيطرحون وحدة في الآراء في هذه المسألة) الحاجة للاستعداد للسيناريو الخطير الذي في إطاره ستواصل تركيا الانفصال عن الناتو من خلال ترسيخ التوجه لتحسين العلاقة بينها وبين روسيا. يمكن الإشارة إلى أن مجرد الاستعداد هذا (حتى لم يتحقق بكامله) ستكون له تداعيات سلبية على طبيعة العلاقات الأمنية مع أنقرة لأنه يتم الآن تطوير أجهزة لمتابعة تركيا.
في المقابل، يبدو أن أنقرة في الوقت الحالي تحاول التقليل من أهمية القرار وطرحه كشراء أمني ينبع من حاجتها الفورية التي لم تجد لها رداً من شركات غربية، وأنها ليست مهمة بخصوص التوجه السياسي لتركيا. متحدثون أتراك قالوا إن هناك سوابق لوجود أنظمة روسية لدى أعضاء في الناتو ـ يوجد لليونان أنظمة اس300 في أعقاب مصالحة تم التوصل إليها بعد أن اشترتها قبرص وتركيا لم تكن مستعدة لوضعها في المنطقة. ويوجد لسلوفاكيا منظومة كهذه حتى منذ كانت جزءاً من حلف وارسو. إضافة إلى ذلك، الأتراك يقولون إن اس400 سيتم وضعها كمنظومة مستلقة لن تربط بأي شكل بمنظومات الناتو. لذلك، حسب قولهم، يجب عدم الربط بين هذه الصفقة واستكمال صفقة طائرات اف35. مع ذلك، بعد الانتخابات المحلية في 31 آذار، لا يتوقع حملات انتخابية أخرى في تركيا في السنوات الأربع القادمة، الأمر الذي يمكن أن يعطي مجال مرونة لتغيير القرار على المستوى الداخلي، إذا كان أردوغان معنياً بذلك.
في الختام، تنفيذ صفقة اس400 يتوقع، على فرض أن الإدارة الأمريكية ستتمسك بموقفها الحالي، أن تكون خطاً فاصلاً في العلاقة بين الولايات المتحدة والحلفاء الآخرين في الناتو وبين تركيا. رغم الخوف بأن خطوات رد ستدفع تركيا أكثر نحو روسيا. من المعقول أن رد الإدارة والكونغرس على هذه الخطوة سيكون شديداً. إلى جانب الأهمية التي ستكون لهذه الخطوات على العلاقة بين الدولتين، فإن خطوة تركيا يتوقع أن يكون لها تداعيات جيوسياسية، سواء في سياق العلاقة الحالية بين الولايات المتحدة وروسيا أو في سياق قدرة التنسيق والتعاون مع تركيا بالنسبة للوضع في سوريا والعراق والسياسات إزاء إيران.

الداد شبيط وغاليا لندنشتراوس
نظرة عليا 3/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية