بغداد ـ «القدس العربي»: قال زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، مسعود بارزاني، أمس الأربعاء، أنه رغم تلقي تنظيم «الدولة الإسلامية» ضربات قوية، وتعرضه لهزائم كبيرة وفقدانه الأراضي التي احتلها في سوريا والعراق، لكن خطره لم ينتهِ، فقد انتهت «الخلافة المزيفة»، ولكن «الخرافة» لم تنته بعد.
بارزاني تطرق في كلمة له إلى عدد من المواضيع التي تخص مدينة الموصل والشأن السياسي العراقي، خلال افتتاحه معرض أربيل الدولي الرابع عشر للكتاب، بحضور زعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، وعدد كبير من الشخصيات السياسية والأكاديمية والثقافية.
وقال: «أنتهزُ هذه المناسبة للإشارة إلى بعض الأمور التي أرى أن قد حان الوقت للتحدث عنها، وبدايةً أجدد تقديم التعازي لذوي ضحايا عبارة الموصل، تلك الكارثة الوطنية والإنسانية التي أدمت القلوب وهزت الضمائر»، معتبراً أن هذه الكارثة جاءت «بسبب سوء الأوضاع في الموصل وانفلات الأمن والنظام، خاصة بعد تحريرها».
وأضاف: «للأسف الشديد، العديد من العائلات التي نزحت من الموصل بعدما سقطت بيد الإرهابيين، استبشروا خيراً بعد التحرير، وعادوا، وبعد فترة لم يجدوا خدمات ولا أمناً أو نظاما، فعادوا مجدداً إلى المخيمات».
وأردف: «لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء عند الحديث عن كارثة العبارة، فعندما جرت اللقاءات بين المسؤولين العسكريين والسياسيين في بغداد والإقليم وقوات التحالف، وخاصةً الأمريكيين، كانت هناك إتفاقية في البداية على أن تكون خطة تحرير الموصل على مرحلتين، مرحلة التحرير، ومرحلة كيفية إدارة الموصل بعد التحرير».
وأشار إلى أن «كلما اقتربنا من موعد تنفيذ العملية، لاحظنا ابتعاد الأطراف الأخرى عن الخطة الثانية، أي خطة إدارة الموصل بعد التحرير، وكانوا مستعجلين جداً لبدء عملية التحرير، وأتذكر أنني قلت لهم إنني لا أستسهل عملية تحرير الموصل، بل ستكون صعبة ومكلفة، ولكنها ممكنة، وأن البيشمركه سيقومون بواجبهم بدقة، وبالفعل كُسر الخط الدفاعي الأول لتنظيم الدولة الذي كان طوله 107 كيلومترات على يد البيشمركه، وبدأت عملية التحرير».
وزادَ: «في آخر اجتماع قلت لهم إن مرحلة ما بعد التحرير ستكون أصعب من عملية التحرير نفسها، فمشاكل الموصل كبيرة ومعقدة، وهي أكبر من طاقات محافظٍ أو مجلسِ محافظة، سيما بعد احتلالها من قبل الإرهابيين على مدى 3 سنوات، حيث عاثوا فيها فساداً وفوضى، كما أن محافظة نينوى متعددة القوميات والأديان والمذاهب، وفيها مشاكل تاريخية متراكمة، وعليه يجب إيجاد صيغة استثنائية لإدارة الموصل حتى وإن كانت وقتية، إلى أن تستقر الأمور وتجري الانتخابات وتسير الأمور بشكل طبيعي».
وحسب بارزاني «كان هناك إصرار على بدء عملية التحرير، ثم الحديث عن عملية ما بعد التحرير، وكانت الآراء مختلفة، فقلت لهم بصراحة: أنتم ستتحملون مسؤولية ما سيحصل بعد التحرير، وأرحتُ ضميري».
قدر الموصل
كما لفت إلى أن «بعد التحرير تُركت الموصل لقدرها المجهول، لا نظام ولا إدارة، حالة من الفوضى والفساد، وللأسف الشديد كان التركيز على تقاسم الأموال التي قد تخصص لإعادة إعمار الموصل، وتقاسم الأطراف لتلك الأموال بدلاً من تخصيصها لإعمار المدينة».
وأكمل: «كارثة العبارة كانت نتيجةً، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال البحث عن كبش أو أكباش فداء، بل يجب تشخيص الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه الكارثة، فإن كانت متعمدة وسببها الإهمال، فالنتيجة واحدة وهي سقوط ضحايا أبرياء نتيجة، إما إهمال أو عمل إجرامي متعمد، والتحقيق هو الذي يحدد النتيجة الحقيقية».
وأوضح أن «منذ البداية لاحظنا أن خلال المشاكل في بلدنا يتم التعاطي دوماً مع النتائج وليس البحث عن الأسباب، والآن أيضاً إذا لم تعالج الأسباب التي أدت إلى ظهور داعش، وظهور المشاكل الأخرى، ليس في الموصل فحسب، بل في كل العراق، فأعتقد أن أحداثاً مشابهة لكارثة العبارة ستتكرر لا سمح الله».
واستطرد قائلاً: «صحيح أن داعش تلقى ضربات قوية، وتعرض لهزائم كبيرة وفقد الأراضي التي احتلها في سوريا والعراق، لكن خطر داعش لم ينتهِ، كما أن الخلافة المزيفة انتهت، ولكن الخرافة لم تنته، ولا يزال داعش يشكل تهديداً جدياً وحقيقياً، والقضاء عليه يجب أن يكون بالتزامن في سوريا والعراق، فلا يمكن القضاء على داعش في بلد ما، خاصةً فيما يتعلق بالعراق وسوريا، ويكون هناك مجال للتنظيم أن ينتعش ويظهر من جديد في بلد آخر».
اعتبر أن وجود عبد المهدي على رأس الحكومة يمثل الفرصة الأخيرة لحل الخلافات بين أربيل و بغداد
وأكد أن «الخلافة المزيفة انتكست أو ربما انتهت، ولكن الأسباب التي أدت إلى ظهورها لا تزال قائمة، لذلك لا يجوز الاعتقاد أن داعش قد انتهى، وأن الانتصار النهائي قد تحقق، ومن يقولون ذلك يعلمون قبل غيرهم أنهم لا يقولون الحقيقة، ولكنهم يقولون ذلك لأغراض سياسية ومكاسب أخرى».
فرص ثمينة
ومضى إلى القول: «بعد 2003 وسقوط النظام الديكتاتوري، كانت هناك فرص ثمينة لبناء عراق ديمقراطي فدرالي متعدد القوميات والأديان والمذاهب، ولكن مع الأسف الشديد ضاعت تلك الفرص، وحصلت خلافات ومشاكل بين الإقليم وبغداد، ولو طُبق الدستور كما هو لما حصلت كل هذه المشاكل، والآن، ولحسن الحظ، الجميع بات يدرك أن الحوار والتفاهم والتعاون، هو السبيل الأنجح والوحيد لحل المشاكل، وليس العكس، ولم يكن هناك خيار آخر غير الحوار في يوم من الأيام، وعندما اضطررنا لخيار آخر، كان لا بد من ذلك لأنه فُرض علينا». وأضاف: «اليوم نرى أجواءً وفرصةً جديدة، ورغبة لحل كافة الخلافات بين أربيل وبغداد، ونرى في وجود الأخ عادل عبدالمهدي، على رأس الحكومة، فرصةً جديدةً ربما تكون الفرصة النهائية، لذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال التفريط بها، وسنتعاون مع الأخ عادل عبدالمهدي، بشكل جاد من أجل حلِّ كافة المشاكل، ليس في الإقليم فقط، وليس بين الإقليم وبغداد فحسب، بل لحل المشاكل التي تخص جميع المواطنين في العراق، فيجب أن يُطبق الدستور. يجب أن يكون العراق فيدرالياً ديمقراطياً».
لم يعد الانتظار مقبولا
وفيما يتعلق بتشكيل حكومة الإقليم، بين بارزاني: «كما تعلمون فقد خاض الإقليم انتخابات يوم 30 سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، وأعلنت نتائجها، وصبرنا كثيراً وأعطينا الفرصة لكافة الأطراف من أجل تشكيل الحكومة من مختلف الأطراف الفائزة في الانتخابات، وقد أُعطي الوقت اللازم والفرصة الكاملة، ولكن الآن وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها الانتظار مقبولاً، ولم تعد أي حجج ومبررات مقبولة، فقد انتهى وقت الانتظار، وسيباشر البرلمان الإجراءات الضرورية فيما يخص انتخاب رئيس للإقليم وتكليف رئيس الوزراء، ولا نزال نأمل أن يتم تشكيل الحكومة من كافة الأطراف الفائزة، ولكن أقول بصراحة أن اعتباراً من اليوم لن ننتظر لحظةً أخرى، وسوف تُشكل الحكومة بأقرب وقت». أما علاوي، فقد أكد أن «السلام يجب أن يحل في ربوع العراق، والحوار يجب أن يكون هو اللغة المتغلبة على أي إجراء آخر».
وأوضح أن: «أسباب الكوارث التي حلت بالعراق لا تزال قائمة، وما حصل في العراق كان نصراً عسكرياً واسترداداً للأرض، لكن لم يحقق السلام لحد الآن في هذا البلد، والسلام لا يزال مفقوداً بين القوى الاجتماعية ومكونات الشعب العراقي، والسلام لا يزال مفقوداً في ما يتعلق بالفرص لتحقيق المواطنة المتساوية والعادلة بين كل العراقيين، وكان هذا هدفنا نحن عندما كنا نقاتل الدكتاتورية من أربيل، ومن كردستان، وكان هدفنا الواضح أن نعد عراقاً يتسع لكل العراقيين من دون تمييز، ومن دون إقصاء ومن دون تمييز، لكن للأسف لم يحصل هذا الآن».
واستدرك: «لهذا أنا أضم صوتي إلى صوت الأخ العزيز مسعود بارزاني، أن داعش لم ينته لأن الفكر التكفيري لا يزال موجوداً، والبيئة الحاضنة للإرهاب لا تزال موجودة، لكن أملنا في بعض الأخوة الكرام الذين تبوأوا المسؤولية في العراق، ومنهم الأخ عادل عبدالمهدي والأخوة الوزراء، الذين عرفناهم عن قرب، هم يمثلون بارقة الأمل، والفرصة الأخيرة فعلاً لتحقيق ما يصبو إليه العراق والعراقيون جميعاً بدون استثناء وبدون تمييز أو إقصاء». وإلى جانب الإشارة إلى دعمه للحكومة العراقية الحالية، نبهها إلى أن «السلام يجب أن يحل في ربوع العراق، والحوار يجب أن يكون هو اللغة المتغلبة على أي إجراء آخر، سواء أكان الإجراء عقاباً أو تهميشاً أو إقصاء أو عزلاً، فهذا لا يجوز»، مبيناً أن «الطائفية السياسية، وتسييس الدين، والإرهاب فتكوا بالعراق، وكذلك التهميش والإقصاء الذي حصل والذي لا يزال يحصل في العراق للأسف».
وانتهى إلى أن الأخبار التي تتحدث عن ارتباكات في مختلف أنحاء العراق «دليل على أننا فشلنا في أن نحقق الحكم الرشيد في العراق، وهذا الحكم الرشيد إن لم يتحقق من خلال الحوار ومن خلال احترام كل شرائح المجتمع العراقي لن يصل العراق إلى شواطئ السلام والاستقرار، وإذا لم يصل العراق إلى شواطئ الاستقرار والسلام فلن تصل إليها المنطقة»، وأنه لهذا السبب يخاطب الحكومة أنه «يجب أن تعمل بشكل جاد وبشكل دقيق وأن تغلّب الحوار والمصالحة العامة العراقية على أي مصلحة خاصة، وصولاً إلى ما نحتاجه ونريده وهو تحقيق المواطنة الكاملة في هذا البلد الذي لعب دوراً أساسياً في بناء السلام والاستقرار في العالم».