في سوريا… يبنون دولة من الأنقاض

حجم الخط
0

بشرى الانتصار على داعش في سوريا لا يمكن أن تكون مكتملة بدون توزيع الغنائم. هذه المرة كان من نصيب الأكراد الذين حاربوا في الباغوز أن يأخذوا جزءاً من الغنائم. تقارير وصور نشرت في مواقع الانترنت السورية تحدثت عن شاحنات وسيارات صغيرة تم فيها تجميع أثاث وأدوات منزلية، وحتى عن نوافذ وأبواب تحمل على شاحنات كبيرة وتشق طريقها نحو القواعد الكردية. حجم النهب ليس كبيراً مثل النهب العام الذي حدث بعد حرب العراق في 2003. في حينه شوهد المواطنون وهم يحملون على ظهورهم أو على العربات مواد فنية تم إخراجها من المتحف وبيعت في أرجاء العالم. وفي حينه حصل الأكراد على غنائم جيدة عندما تم إخلاء مواقف السيارات الفخمة لصدام حسين. وخلال أيام شوهد مقاتلو البشمارغا وهم يركبون سيارات الدفع الرباعي الجديدة في شوارع المدن الكردية.
هذه المرة لم يخلف مقاتلو داعش أي ممتلكات ثمينة. وإن كان البحث عن كنوز من الأموال النقدية التي دفنت كما يبدو بين أنقاض البيوت استمر بكامل الزخم. مكسب كبير غير متوقع للمقاتلين الأكراد من الحرب ضد داعش. الآن سيكون عليهم أن يحسموا حول مسألة هل سيتصالحون مع النظام السوري الذي يهدد بالمواجهة معهم إذا لم يلقوا سلاحهم ويعيدوا «المناطق التي احتلوها» أو يواصلوا القتال ضد القوات التركية التي احتلت عفرين وينوون المواصلة شرقاً لتطهير المنطقة الكردية السورية، الأمر الذي يعتبر حسب تعبير الأتراك «مناطق إرهابية».
في المدن والبلدات التي انتقلت إلى سيطرة النظام، احتلت المافيا المحلية السيطرة على مصادر الدخل المتاحة بين الأنقاض. فرع جديد فتح للمنافسة هو تجميع الحديد والفولاذ لغرض الاستخدام والتصنيع. منذ بداية الحرب قبل ثماني سنوات ارتفع سعر الحديد في الدولة بمئات النسب المئوية. مصانع الصب ومصانع الحديد أغلقت، استيراد الحديد قيد والنقص في مواد البناء خلق سوقاً سوداء نشيطة، يشارك فيها ضباط وجنود سوريون إلى جانب عصابات محلية تتعاون معهم.
إحدى الظواهر البارزة هي أن ضباطاً كباراً قسموا فيما بينهم مناطق النفوذ على معالجة الأنقاض، وهم أيضاً الذين يجمعون الأرباح من كل قطعة خردة يعثر عليها من يشغلونهم. ترتيبات الإخلاء والجمع والوزن والتسويق تعمل على الأرض، «أصحاب الامتيازات» يبيعون للجميع، وتقريبًا لا يوجد مكان لدخول جهات جديدة إلى هذه السوق. هذه الخردة توفر مصدر دخل جيد، لكن كمية الحديد وبقايا النوافذ والأبواب بعيدة عن أن تلبي حاجات إعادة إعمار سوريا. التقدير المقبول هو أن الدولة بحاجة إلى مئات مليارات الدولارات وملايين الأطنان من مواد البناء لإعادة الحياة إلى سابق عهدها.

تقديرات: تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات وملايين الأطنان من مواد البناء

مستقبل إعادة إعمار الدولة وتوزيع عبء تمويله تم بحثه في بروكسل قبل ثلاثة أسابيع في مؤتمر للدول المانحة والدول المجاورة لسوريا. بين المشاركين كان ممثلو الاتحاد الأوروبي ورؤساء منظمات المساعدة ومندوبون عن الأمم المتحدة. المؤتمر الذي تم فيه تحقيق تفاهمات أوضح إلى أي درجة هي كبيرة الفجوة بين الأطراف.
الاتحاد الأوروبي يشترط استعداده للمساعدة بأن يقوم نظام مستقر ومتفق عليه وتمثيلي في سوريا بحيث يمكنه الإشراف على الأموال التي ستصل. هذا في الحقيقة شرط محق، لكن الخلاف الرئيسي حوله هو ماذا سيكون مصدر الصلاحية لهذا النظام. الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (التي أعلنت في السابق أنها لا تنوي المساعدة في إعادة الإعمار) يطالبون بأن عملية تشكيل النظام الجديد ستتم حسب الاتفاقات التي تم التوصل إليها في مؤتمر جنيف في 2012 وحسب قرار مجلس الأمن من العام 2015. هذا القرار ينص ضمن أمور أخرى على إجراءات نقل السلطة ويشير إلى جدول زمني (الذي انتهت صلاحيته منذ زمن)، ويطالب بإجراء انتخابات حرة تضمن تمثيلاً مناسباً لجميع شرائح السكان.
في المقابل، روسيا وتركيا وإيران، تعمل حسب ما هو معروف باسم «عملية الأستانة»، التي هذه الدول حسبها هي التي ستحدد فيما بينها كيف ستظهر صورة النظام الجديد. عندما اقترحت روسيا صيغة الدستور، سيطلب من النظام تطبيقه. هاتان العمليتان غير متناقضتين بصورة جوهرية، لكن في حين أن عملية جنيف تنقل رعاية عملية تأسيس النظام الجديد إلى أيدي الأمم المتحدة والدول الغربية فإن عملية الأستانة ستكون تحت سيطرة روسيا.
الخصومة السياسية بين الطرفين هي التي تفشل في الوقت الحالي جهود إعادة الإعمار، حيث أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة غير مسرورين من منح روسيا وإيران الأحقية على وجود الدولة، والمكاسب التي ستنبع منها بواسطة الأموال التي سيتم التبرع بها من الغرب. روسيا مستعدة للمساعدة في إعادة الأعمال، لكن هناك شك إذا كانت هي أو إيران على استعداد لتجنيد الأموال الكبيرة المطلوبة لتمويل إعادة الإعمار.
إلى حين حسم مسألة إعادة الإعمار، مطلوب مساعدة كبيرة لملايين اللاجئين والمهجرين الذين يعيشون في سوريا والدول المجاورة، ولا يوجد حول ذلك اتفاق كامل. في مؤتمر عقد في بروكسل فقد تعهدت الدول المانحة بتجنيد 7 مليارات دولار (2 مليار دولار أقل مما تريده الأمم المتحدة)، وكذلك تم الاتفاق على توزيع الأموال حسب الدول. ولكن الادعاء الرئيسي ضد طريقة التوزيع هو أن جزءاً كبيراً من المنح لا يصل إلى أيدي المحتاجين. يبدو أن جامعي الخردة ليسوا وحدهم يتمتعون بنتائج الحرب، بل هناك منظمات المساعدة التي تحظى بنسبة غير قليلة من الغنائم.

تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 4/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية