الحل: كيانان عرقيان منفصلان… والأمن للأقوى!

حجم الخط
0

من فوق صفحات الصحف واليافطات رفرفت باستعراض إعلانات كبرى عن «قادة من أجل أمن إسرائيل»، وفي مركزها شعار «الحسم المصيري هو الضم أو الانفصال». يدور الحديث عن تلاعب خطير بعيد عن الميول الأساسية التي وجدت لها موقعاً في الواقع، مثلما تطورت في نصف اليوبيل منذ بداية مسيرة أوسلو.
فالانفصال الذي باسمه يتحدثون، نفذ منذ الآن بقيادة رئيس الوزراء اسحق رابين. وهو يكفي لأغراض حماية الأغلبية اليهودية في دولة إسرائيل وإنهاء حكمنا لشعب آخر.
لقد كان سعي رابين لإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين قد تحقق عملياً بكامله. ونفذ الانفصال في أساسه في بداية أيار 1994، عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من كل مراكز السكان الفلسطينيين في قطاع غزة ونقل الحكم على السكان وعلى المجال الذي يسكنون فيه للسلطة الفلسطينية التي كانت قد تشكلت لتوها. في كانون الثاني 1996، بعد شهرين من اغتيال رابين، سحبت إسرائيل قواتها من المناطق المأهولة في يهودا والسامرة (المجال الذي يضم مناطق أ و ب). في 20 كانون الثاني أجريت انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، وبعد وقت قصير من ذلك ألغيت الإدارة المدنية والحكم العسكري واستبدل بجهاز التنسيق والارتباط. من هذا الموعد فصاعداً يوجد أكثر من 90 في المئة من السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة تحت حكم فلسطيني وليس تحت الاحتلال الإسرائيلي.
بكلمات أخرى، فإن الخلاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين ـ وبين الإسرائيليين وأنفسهم ـ ليس حول السبيل لإنهاء «الاحتلال»، بل على مستقبل القدس الشرقية والمناطق ج ـ التي تتضمن كل البلدات اليهودية في يهودا والسامرة، ومعسكرات الجيش الإسرائيلي، والطرق الرئيسة، والأراضي المسيطرة الحيوية والمجال المفتوح في مداخل غور الأردن. فالضرورة الأمنية لاستمرار التحكم والسيطرة الإسرائيلية في هذا المجال واضحة: الجيش الإسرائيلي وحده، دون كتلة من السكان المدنيين الإسرائيليين، سيعاني من الدونية في حجم القوات، بالضبط مثلما عانى في جنوب لبنان.

الخلاف في الضفة على القدس الشرقية ومناطق «ج»

إن أساس الخطر في انسحابات إضافية ينبع من الآثار الأمنية لتسوية مجال فنية ـ أسماها في كلماته ايهود باراك: «هم هناك ونحن هنا». في هذه الفكرة، والتي كان فك الارتباط أحادي الجانب عن قطاع غزة التعبير الأكثر وضوحاً لها، فإن الحدود تقع كفاصل مطلق وصلب بين الكيانين، بشكل يستوجب اقتلاع المستوطنات و«تطهير» المجال من التواجد اليهودي. عملياً فرض فك الارتباط قيوداً متشددة، مادية وذهنية، على قدرة المخابرات والجيش الإسرائيلي على العمل خلف الحدود لمنع تحول القطاع إلى كيان إرهابي.
لقد وضع رابين عملياً في السامرة ويهودا مجالاً ينتظم بشكل آمن، يعيش فيه الواحد إلى جانب الآخر، كيانان عرقيان منفصلان، في حكم ذاتي سلطوي كأمن للسلطة الفلسطينية في مناطق أ و ب. في هذه الصيغة، يضمن الاحتكاك اليومي، بما في ذلك في المجال الأمني، تفوقاً في استخدام القوة بشكل يمكنه أن يمنع انفجارات موسمية بقوى عالية من النوع المعروف لنا في قطاع غزة.
في عريضة نشرت في صيف 2005 بتوقيع مئات من أعضاء مجلس السلام والأمن، الذي يتشكل من كبار رجالات الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن سابقاً، وعد بأن يحسن فك الارتباط أمن دولة إسرائيل، ضمن أمور أخرى من خلال تقصير خطوط التماس التي ينتشر الجيش على طولها. هذا المبدأ الكفيل بأن يكون صحيحاً في أوضاع معينة، ليس ملائماً للسياق الإسرائيلي ـ الفلسطيني. للمخابرات والجيش الإسرائيلي تفوق في اتصال خطوط التماس مع الفلسطينيين، بشكل يحدث احتكاكاً يومياً «على نار هادئة» في مجالات التعايش المشتركة مثلما في يهودا والسامرة.
والتسوية المجالية هذه أفضل بعشرة أضعاف عن التسوية التي نفذت في غزة، وتنطوي كما هو معروف على انفجارات عنف لتصل إلى مستوى الحرب، مثل النوع الذي شهدناه في حملتي الرصاص المصبوب والجرف الصامد.
في الواقع المجالي مثلما رتبه اسحق رابين في السامرة ويهودا، يكمن الحل الصحيح. أما الانفصال الإضافي، الذي يروج له «القادة» في اليافطات، فسيؤدي إلى خطر أمني عديم المسؤولية لدرجة جعل طريق 6 طريقاً حدودياً، وكشف مدن غوش دان أمام تهديد من النوع المعروف في بلدات غلاف غزة. فضلاً عن الاعتبار الأمني، يجدر بنا أن نذكر «القادة من أجل أمن إسرائيل» بأن رؤيا عودة صهيون كانت ولا تزال أوسع بكثير من الحاجة إلى منح أمن لتجمعات اليهود الذين يتجمعون في الشاطئ.

غيرشون هكوهن
لواء احتياط زميل بحث كبير في مركز بيغن السادات للبحوث الاستراتيجية
إسرائيل اليوم 7/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية