المسلسل الهندي «ميد إن هيفين»: صفعات متتالية على وجه المجتمع والسلطة بكافة أنواعها

مروة متولي
حجم الخط
2

بالتعاون مع «أمازون برايم» قدمت المخرجة السينمائية «زويا أختر» أول أعمالها التلفزيونية «ميد إن هيفين» 2019 وهو مسلسل من تسع حلقات، مدة الحلقة ساعة كاملة، تم تمثيل أغلب مشاهده باللغة الإنكليزية، بالإضافة إلى بعض المشاهد باللغة الهندية.
ويتميز العمل بالمواصفات العالمية والاحتراف الشديد على مستوى الكتابة والإخراج والتصوير والتناول والطرح الدرامي، ويتمتع كذلك بالحرية الكبيرة، التي تفوق الحرية في أفلام بوليوود السينمائية.
ويعد هذا المسلسل دليلاً قوياً على أن الإبداع يزيد بقدر ما تقل الرقابة وأن أي خصم من رصيد الرقابة يضاف على الفور إلى رصيد الإبداع، وكما هي العادة عملت المخرجة «زويا أختر» على تنفيذ هذا العمل مع شريكتها المثالية «ريما كاغتي»، وبعد نجاح أحدث أفلامهما «غولي بوي» 2019 يتألق هذا الثنائي الشهير بالجرأة والتناغم الفكري في هذا المسلسل، الذي وضع كل منهما في حلقاته الكثير من الأفكار والأحداث والقضايا والأسئلة بتكثيف وتركيز قد يكون مرهقاً بعض الشيء للمشاهد على الرغم من حرصهما على التخفيف من ثقل الدراما بقليل من السخرية وبعض المفارقات المضحكة، وفيما عدا ذلك تبدو الكاتبة «ريما كاغتي» وكأنها تنهال بالصفعات المتتالية على وجه المجتمع والسلطة بكافة أنواعها، سواء كانت سلطة المال أو الطبقة الاجتماعية أو السلطة السياسية وسلطة الأسرة أو سلطة الجماعة على الفرد وسلطة الأفكار المتوارثة، تلك الأفكار التي يجب أن نصدقها وإن جلبت لنا التعاسة والضرر، فعلينا أن نصدق أننا في الجنة وإن كنا نتقلب في الجحيم.
تمسك الكاتبة بمرآة كبيرة وتضعها في وجه هذا المجتمع، كما تضع كل شخصية من شخصيات المسلسل أمام تلك المرآة أيضاً بشكل فردي، وهي لا تصدر الأحكام المطلقة ولا تدفع المشاهد نحو إصدارها أيضاً، وإنما تدفعه نحو الكثير من التفكير ومراجعة وإعادة تقييم كل شيء، ولن يجد المشاهد نفسه يكره أية شخصية من الشخصيات، سيكره الأفعال المؤذية والمعتدية على حقوق الآخرين وحرياتهم بكل تأكيد.
ربما سيكره المجتمع بأكمله ويلعنه لكنه لن يكره الأشخاص بشكل فردي لأن الكاتبة ستعرض بالتفصيل الدوافع وراء هذه الأفعال وأثر الثقافة المكتسبة والخيارات المحدودة والضغوط التي تدفعنا نحو اتجاهات خاطئة رغماً عنا، فالجميع ضحايا هذا المجتمع والجميع «محكومون بالخوف» كما يقال على لسان الراوي الذي يبدأ الحلقات دائماً ويختتمها بعبارات قوية وكلمات موحية كأنها تلخيص أو تساؤلات حول ما تتضمنه الحلقة من أفكار.
كما يلاحظ أن المسلسل ليس نسوياً ولا تتعاطف الكاتبة مع شخصياتها على أساس الجنس والنوع، لكنها تتعاطف في المقام الأول مع كل مهزوم أما كل صاحب سلطة، وتتعاطف مع الفرد رجلاً كان أم امرأة في مواجهة الجماعة، بل إنها تكشف عن معاناة الرجل الذي يكون معرضاً في بعض المجتمعات للاضطهاد والمراقبة والتجسس والإهانة واقتحام الخصوصية، كما يمكن أن يستباح جسده ويهدد بالاغتصاب، وفي المجتمعات التي لا تقبل بوجود الفرد الوحيد الحر بينها ولا تعتبره كاملاً طالما يعيش وحيداً غير متزوج ولا يسير بين الناس ممسكاً بطفل أنجبه كدرع بشري يقيه ألسنة الناس أو كدليل إثبات على أمور خاصة جداً تؤرق المجتمع وتهمه بقوة، كل هذه الضغوط تجعل من الزواج في المجتمعات الشرقية هو الحل الوحيد لكافة المشكلات.
ومع الاكتشاف السريع لفشل هذا الحل يكون الإنجاب السريع أيضاً هو الحل وترحيل جميع المشكلات على ذلك الصغير ليقوم هو بحلها في المستقبل، وكثيرة هي الأمور التي يطرحها العمل بتعقيداتها المتشابكة وقد يشعر المشاهد بأن الكاتبة كان لديها ذلك المخزون الكبير من الأفكار التي لم تتمكن من طرحها في أفلام بوليوود فوضعتها دفعة واحدة في هذا المسلسل.
«ميد إن هيفين» هو اسم شركة تنسيق حفلات الزفاف الفاخرة التي أسستها «تارا» مع صديقها «كاران» بنقود زوجها الثري «عادل» الصيد الثمين الذي اقتنصته بمهارة عندما كانت تعمل كموظفة في إحدى شركاته ونقلها ذلك الزواج من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة المخملية، وإلى جانب الخط الدرامي الأساسي وحكاية (تارا وعادل) في الماضي والحاضر والفشل والانهيار المتوقع لزواجهما في كل لحظة، هناك في كل حلقة حكاية جديدة لزواج جديد بتفاصيله وتعقيداته وألغازه ومفاجآته، حيث يبدو كل من «تارا» و»كاران» كمحققين استقصائيين لا كمنسقي حفلات زفاف، وبداية من عنوان المسلسل وحتى نهاية آخر حلقاته تثار الأسئلة حول الزواج والأسرة بشكلها التقليدي، كما توجد تلك السخرية من إضفاء القداسة على الزواج وتصويره كأنه الفردوس المفقود على الأرض، بينما يبدو في الواقع أن الزواج أيضاً سلطة يجب الرضوخ لها من أجل الحصول على القبول المجتمعي، كما أن استخدام العبارة السائدة التي تقول بأن الزواج أمر يقرر في السماء تجعلك تتساءل هل الزواج نعيم السماء أم جحيمها؟
فيعرض المسلسل التعاسة الكامنة خلف الثراء والأناقة والجمال والزهور باهظة الثمن والسعادة الظاهرية في حفلات الزفاف، وجحيم الجمع الكبير من الناس الذي لا يعد دليلاً على المحبة والعلاقات الاجتماعية القوية بقدر ما هو دليل على حب النميمة والتلصص على حياة الآخرين والخوض في الأعراض وأكل لحم العروسين بدلاً من وجبة العشاء.
يتناول المسلسل مشكلات الطبقات المخملية والمتوسطة والأقل من المتوسطة، ويثير الأسئلة حول أمور كالعذرية والإجهاض والمهر والمثلية الجنسية ونزوات النساء ورغبتهن في خوض المغامرات العاطفية إلى جانب الزواج، وماذا لو أحبت المرأة بعد الستين؟
ويركز كثيراً على التناقضات ونفاق المجتمع واختلال القيم والحرص على الصورة الظاهرية فقط وإن كانت تخفي من خلفها الخراب، ويؤكد على وجود خلل ما في المجتمع لا يصلحه التعليم ولا الثراء ولا حتى الحياة في الغرب، كما يعرض العمل كل ما هو ضد المتوقع والأفكار السائدة فنجد «تارا» المتوقع أنها قد حصلت على كل شيء بزواجها من «عادل» الثري الوسيم، لا تجد في هذا الزواج التواصل النفسي والجسدي لأن زوجها يعيش الحب كما يجب أن يكون مع «فايزة» الفنانة التشكيلية غير المتزوجة، كما نرى الكثير من التصرفات التي تبدو متخلفة كثيراً عن هذا العصر تأتي من امرأة تعمل كقائد طائرة ومن طبيبة تعمل في لندن، ونرى الأم التي تطلب من ابنتها «أن تكف عن القراءة لأن الرجال لا يحبون الاقتران بامرأة ذكية» ومن خلال حكاية «كاران» بطل المسلسل نجد معالجة قوية لفكرة اقتحام خصوصية الفرد تحديداً، وأن من يعيش في أسرة يرى أن من حقه أن يعرف بالتفصيل ماذا تفعل في سريرك فقط لأنك فرد وحيد في المجتمع، وذلك عندما يقتحم جاره منزله سراً ويضع كاميرا تجسس في غرفة نومه، كما نرى في تعرض «كاران» لمحاولة اغتصاب من أحد الضباط في قسم الشرطة وضربه بعنف بعد دفاعه عن نفسه ومقاومته، كشف لنفاق بعض المجتمعات التي تفزعها المثلية الجنسية بينما لا يزعجها اغتصاب الرجال في السجون، وعلى كل حال فقد تم في عام 2018 إلغاء تجريم المثلية الجنسية في الهند، وربما يعد هذا توثيقاً لما مضى. أما السياسة فتم تناولها في واحدة من أقسى حلقات المسلسل وأكثرها كآبة، بل هي الحلقة الوحيدة التي تصل فيها الأمور إلى الموت في عالم كئيب ومظلم وبارد يمتلئ بالتعاسة الخالصة، لكن كان جميلاً في هذه الحلقة تلك الإشارة القوية إلى أن الإعلام هو الترياق لسم الساسة وأن الضوء هو مصدر الرعب لهم وسبيل الأمان لضحاياهم.

 كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية