روما – د ب أ: توقع مراقبون أن تعترف الحكومة الإيطالية اليوم الثلاثاء بأن الاقتصاد لن يحقق أي نمو خلال العام الحالي، وأن الديون العامة وعجز الميزانية سيرتفعا.
وعندما قال رئيس الوزراء الإيطالي غيوزيبي كونتي قبل نحو شهرين ان عام 2019 سيصبح جميلا للغاية بالنسبة لبلاده، شعر معظم المواطنين بالارتباك، ويبدو الآن أن هذا التفاؤل لم يكن في محله على الإطلاق.
وإيطاليا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، ومجموعة السبع الصناعية الكبرى، التي تعاني من الركود، ويبدو أن حكومتها الشعبوية تزيد الأمور سوءًا، على الأقل هذا ما يراه «صندوق النقد الدولي» و»منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».
وقال جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية في الثالث من الشهر الماضي خلال زيارة إلى روما «أشعر ببعض القلق لرؤية أن الاقتصاد الإيطالي يواصل التراجع»، داعياً إلى «جهود إضافية» من السلطات الإيطالية.
وخلال الأشهر الستة الماضية، تراجعت آفاق نمو الاقتصاد الإيطالي إلى الصفر، أو ما هو أسوأ. وأكدت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» الأسبوع الماضي تقديرات أشارت إلى تسجيل انكماش بنسبة 0.2 في المئة لعام 2019، ثم نمو متواضع بنسبة 0.5 في المئة في عام 2020.
وتأتي هذه النظرة المستقبلية المتراجعة نتيجة تباطؤ عالمي، إلا أن خبراء اقتصاد أرجعوها أيضًا إلى السياسات الاقتصادية غير التقليدية للائتلاف الشعبوي الحاكم في روما، والذي يضم «حزب الرابطة» اليميني المتطرف وحركة «خمس نجوم» المناهضة للمؤسسات. واستحدث الحزبان إصلاحات باهظة للمعاشات التقاعدية والرعاية الاجتماعية تم تمويلها بعجز أعلى للميزانية، مما أدى إلى حدوث نزاع بشأن انضباط الميزانية- تم حسمه الآن- مع الاتحاد الأوروبي، وزيادة مخاوف السوق بشأن الدَين العام المرتفع للغاية في إيطاليا. ولم يتم تنفيذ الإصلاحات بعد، لكن تكاليف الاقتراض في إيطاليا قفزت بالفعل. وحذر «صندوق النقد الدولي» و»منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن السماح بالتقاعد المبكر ومنح المال للفقراء والعاطلين عن العمل من خلال ما يسمى «دخل المواطنين» لن يؤثر كثيرا على تعزيز الإنتاجية.
وقالت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» الأسبوع الماضي أنه ينبغي على إيطاليا «إلغاء التغييرات التي أجريت على قواعد التقاعد المبكر التي أدخلت هذا العام، وتخفيض وتقليل مزايا دخل المواطنين»، كما أوصت بتحسين سريع في انضباط الميزانية.
ويبلغ الدَين العام لإيطاليا أكثر من 130 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف الحد المقبول في منطقة اليورو.
يقول أقطاب الإئتلاف الحاكم ان إيطاليا دولة عانت لسنوات من الركود والارتفاع الكبير في معدل الفقر، وأن وضع برامج الرعاية الاجتماعية للحكومة جاء استجابة لذلك.
وقال زعيم حركة خمس نجوم، لويجي دي مايو، وهو أيضًا نائب رئيس الوزراء ووزير العمل والصناعة، في رد فعل يتسم بالتحدي لـ»منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» ان حكومته تسير في الاتجاه الصحيح.
وأضاف»هل يعتقد شخص يجلس على مكتب على بعد آلاف الكيلومترات أن إيطاليا بحاجة إلى سياسات تقشفية لإعادة الانطلاق؟ حسنًا، يمكنهم القيام بذلك في وطنهم، نرفض التدخل، شكرا. نحن نعرف ما نفعله!»
وتركز السياسة الرسمية للحكومة على أن زيادة الإنفاق العام ستعزز الطلب مما سيؤدي إلى الخروج من الركود. كما تعمل الحكومة أيضًا على ما يسمى بـ»مرسوم النمو» وتدابير لمساعدة قطاعات البناء والأشغال العامة المتوقفة.
لكن الخبراء يرون ان مثل هذه الخطوات ستكون مجرد مسكنات.
فمن المتوقع أن يتضمن «مرسوم النمو»، على سبيل المثال، إعفاءات ضريبية محدودة للشركات فضلا عن تغييرات أخرى غير مألوفة في السياسة مثل الإعفاء من غرامات المرور.
وقال فابيو سكاسيافيلاني، وهو مدير صندوق استثمار ومسؤول سابق في «صندوق النقد الدولي»، لإذاعة «راي» العامة «هل تريد إعادة إطلاق (تنشيط) اقتصاد قيمته 1.8 تريليون يورو بهذه التدابير؟ من الواضح تمامًا أن هناك حكومة ليس لديها أي فكرة على الإطلاق عن كيفية إعادة إطلاق الاقتصاد».
يذكر ان كثير ا من الإجراءات الحكومية واجهت عقبات بسبب الصراع الداخلي المرير داخل حركة خمس نجوم، والذي يتصاعد قبل انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر المقبل. كما ان الحزبين الحاكمين يعاديان جيوفاني تريا، وزير الاقتصاد المستقل الذي يحاول ممارسة تأثير معتدل على السياسة.
على هذه الخلفية، تواجه الحكومة تحديا هائلا في الإعداد لميزانية العام المقبل، حيث سيتحتم عليها تغطية فجوة التمويل الكبيرة الناجمة عن إصلاحات الرعاية الاجتماعية في العام الجاري، إلا إذا كان حكام روما يرغبون في تكرار الصدام مع بروكسل. وقال ولفغانغ بيكولي من مؤسسة «تينيو إنتيلجنس» للاستشارات «نحن نتحدث بالفعل عن الحاجة إلى جمع 40 مليار يورو (45 مليار دولار) لتحقيق أهداف العجز التي حددها الاتحاد الأوروبي لعام 2020 والوفاء بتعهد الحكومة بتجنب زيادة ضريبة القيمة المضافة».
ويرى لورنزو كودونو، كبير الاقتصاديين السابق في وزارة الاقتصاد الإيطالية ومؤسس شركة «ال سي ماكرو ادفايزرز» للاستشارات، أن «وقت الأزمة يقترب بالنسبة لسياسات الميزانية في إيطاليا، لكنه لن يأتي قبل سبتمبر/أيلول، عندما يبدأ العمل الجاد في إعداد ميزانية العام المقبل.