شعراء لبنان يودعونه: في أعالي قامتك الشعرية ترحل

حجم الخط
0

من أعالي هذا الجبل الشديد الروعة والرسوخ والعذابات، أُطلّ على سميح القاسم الصديق المفارق المباغت قامةً عالية كالأشجار التي تموت واقفة في الحقيقة لا في الكلام. أطل على وجهك في كل مكان حولي لأناديه بحزمه وعزمه وقوة كلماته ونبضاته، أن يتوقف لحظة ويجيل بأنظارك «وهو قادر على ذلك رغم الفقدان» من أي قمة عظيمة يريدها من هذا الجبل الشامخ الذي يشبهه لكي يرى ويسمع كم هي كبيرة وساحقة عذاباتنا ومواجعنا في هذه البلاد، القاتلة لشعرائها ومبدعيها الصادقين، والمتاجرة بتذكّرهم مقتولين مدفونين في ذاكرتها رأسمالاً مضنياً بدءاً من خير بلاد أخرجت للناس بالكلام الكثير والتاريخ الضئيل والقليل، وحتى خير قصيدة أخرجت للشعر وخير لغة اعطيت لبشر غير مبالين، من رئيس وعتّال وشاعر وقوّال ألخ… من أي قمة تريدها في هذا الجبل المعذب الشامخ من فلسطين …إلى فلسطين. بدائرة مؤلمة من العنق في كل الكلمات إلى العنق.
سميح القاسم، ووجهك أيضاً من بيروت والقاهرة وعمّان وكل مكان أجال فيه بأنظارك وأفكارك وكلماتك وأشعارك في كل الأنحاء راحلاً قبل الآن مبشراً رغم التشاؤم بصيرورة البقاء الخالد حتى في الفناء المحتم… وداعاً سميح القاسم.
جودت فخر الدين: لسميح القاسم ذكرى طيبة في نفسي. فقد التقيته مرة في عمّان وترافقنا على مدى عدة أيام واكتشفت في شخصيته الدماثة واللطف والأنس. سميح القاسم من أكثر الشعراء العرب حماسة واندفاعاً للقضايا الكبرى، وفي رأسها القضية الفلسطينية. لقد ارتبط اسمه باسم محمود درويش ولكن كان لكل منهما عالمه الشعريُ الخاص. سيبقى سميح القاسم علامة فارقة في الشعر الفلسطيني والعربي.
زاهي وهبي: يمثل سميح القاسم صوتاً بارزاً من الأصوات الجميلة والنبيلة لفلسطين. حمل قضية وطنه وشعبه بشعره، وكان مثالاً للشاعر المقاوم للاحتلال، وفي الوقت نفسه مقاوماً لكل أشكال الخراب وكل اشكال التخلف. تميز شعره بنبرة عالية وصوت مرتفع، وبدعوة قاطعة وحاسمة للمقاومة والتصدي للعدو الإسرائيلي، ولعدم التخاذل والمساومة، وأكثر ما تجلى ذلك في قصائد مثل «يا عدو الشمس» و»تقدموا» وغيرها من القصائد الكثيرة التي كتبها سميح القاسم. عندما نتحدث عن سميح القاسم، فنحن نتحدث عن الشاعر الفلسطيني الذي شكل قيمة مضافة للقضية الفلسطينية، وحمل فلسطين وقضيتها لكافة أرجاء الدنيا. بالحديث عن سميح القاسم فنحن نتذكر محمود درويش وتوفيق زيّاد ومعين بسيسو وغسان كنفاني وكافة الكتاب الذين شكلت فلسطين ينبوعاً غرفوا منه، وكان حبرهم ممزوج دائماً بالمياه الصافية العذبة التي هي مياه الذاكرة، التاريخ، والحاضر المقاوم والمتصدي لهمجية الاحتلال الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه يمكننا القول أن شعر سميح القاسم العالي النبرة، ويدعو دائماً إلى المقاومة وإلى مواجهة المحتل، لكنه لم يتخل عن الجماليات الضرورية للقصيدة، ولم يتخل عن الصورة الشعرية الجميلة والعميقة. المجاز والاستعارات والتشابيه موجودة بقوة في شعر سميح القاسم. أعتقد أن سميح القاسم كان مدركاً لمسألة أساسية هي أن الشعر الذي يُكتب لقضية نبيلة ولقضية كبيرة بحجم القضية الفلسطينية عليه أن يرتقي وأن يكون زاخراً بالمضامين الانسانية والجمالية التي تميز الشعر عن كافة اشكال الخطابة أو أشكال التعبير المباشر. والملاحظ أن سميح القاسم وبنفس الطريقة التي قاوم فيها الاحتلال قاوم مرض السرطان الخبيث. فالاحتلال خبيث وكذلك السرطان، وهو قاوم خبيثين بأنفة وكبرياء وشموخ ولم ينكسر حتى الرمق الأخير. يرحل سميح القاسم جسداً ويبقى حاضراً في الكلمة والقصيدة والأغنية والرصاصة.
مروان عبد العال: رحل اليوم متنبي فلسطين الذي استحق عن جدارة لقب شاعر المقاومة الفلسطينية. شاعر الرفض وشاعر الأرض وشاعر العشق الذي يمضي منتصب القامة ومرفوع الهامة مثله مثل شعبه. كان الابن البار للرامة، للجليل ولفلسطين، وكان صوتها على مدى عمر كل هذه التجربة الكفاحية الطويلة للشعب الفلسطيني. إذ نودع اليوم مع كل ابناء شعبنا هذا الشاعر الذي حمل قيمة جمالية عالية ورفيعة، والذي لا شك أننا الآن وغداً وإلى الأجيال القادمة سنبقى نردد الكلمات التي كانت بمثابة رسالة قوية وتوازي الرصاص، والذي يعمل من أجل حرية هذا الشعب ومن أجل المقاومة. ولا شك أننا من الجيل الذي تعلم وهو صغير تلك اللكمات التي تشبه الصخر يحملها سميح القاسم ويعلمها لكافة الأجيال، ومنها «ربما افقد ما شئت .. معاشي.. ربما اعرض للبيع ثيابي وفراشي.. لكن يا عدو الشمس لن أساوم.. إلى آخر نبض في عروقي سأقاوم«.

زهرة مرعي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية