يمكنني القول إن خصوصية الراحل سميح القاسم تكمن في جملة قضايا. أولها أن الشاعر فضل البقاء في الأرض المحتلة ولم يغادرها حتى وافته المنية.
وأقول هذا ليس تعريضا بأحد فلكل دوره، ولكن وجوده في الداخل كان بالغ الأهمية ؛ إذ أن كل قصيدة تصدر له أو كل مجموعة شعرية كانت تذكر بأهلنا هناك ، خصوصا في مرحلة حاول الجميع النيل منهم أو تجاهلهم. الشاعر العروبي العملاق الذي لم يتنازل ولم يهادن ولم يتراجع عن مواقفه كان صوتهم الهادر.
صوت صمودهم وتمسكهم بعروبتهم وفلسطينيتهم ورفضهم للانتماء للدولة العبرية حتى لو اضطروا لحمل جنسيتها بحكم الأمر الواقع. الشاعر هنا كان صادقا في شعره وفي انتمائه. كان الشعر معاناته الخاصة ومعاناة شعبه الذين لم يخذلهم أبدا. كان جسر الجمال بين من بقوا وبين من هُجروا وبينهم وبين العرب والعالم كله . هذا فضلا عن أن وجوده في الداخل حماه من أي تورط في موقف سياسي من أي نوع. فبقي انتماؤه لفلسطين وحدها ولشعبها المحتل والمشرد. ومن ناحية نقدية بحتة كان القاسم أكثر الشعراء الفلسطينيين الذين كتبوا عن القضية أو كانت هي أهم موضوعاتهم ، كان أكثرهم ميلا إلى التجريب والتجديد. ففي حين أن درويش ، رفيق دربه وصديق صباه حتى افترقا حين قرر الأخير مغادرة الأرض المحتلة الى المنافي ، أقول في حين أن درويش حاول الابتعاد عن معظم تقنيات ما بعد الحداثة الادبية واحتفظ لنفسه بخط قصيدة السهل الممتنع، نجد أن القاسم أهم شعراء ما بعد الحداثة الفلسطينيين وربما العرب. كان مكثرا وفي الوقت ذاته كان مجربا، ففي كل مجموعة تغيير وتطور ملحوظ وتقانات وأخيلة وصور معجزة ورؤى استشرافية جعلت منه الشاعر الرؤيوي الأكثر بصيرة وصدقا والشاعر ما بعد الحداثي الاكثر فلسفة وعمقا وتجريبا. كان القاسم واسع الثقافة غزير المعرفة بالقديم والجديد على السواء. فوظف ثقافته وروحه الجميلة وموهبته لصالح شعره فكان بالفعل كما قال في حوار «الشاعر تصنعه قصيدته ولا شيء آخر». وبذلك استحق جملة ألقاب أطلقها عليه نقاد كبار جاء معظمها من هذه الزوايا تحديدا. وعلى الصعيد ذاته كان من الممكن لهذا التجريب والتعقيد احيانا أن يبعد الشاعر عن الجماهير فيتحول الى شاعر فلسفي نخبوي غير مقروء من العامة أومن القارئ بسيط الثقافة والمعرفة ولكنه، وبسبب التصاقه بشعبه وجمهوره، ولأنه يعلم أهمية أن يتداول العامة شعره الثوري المقاوم، كتب أيضا مجموعة من القصائد الغنائية الشفافة الجميلة، غناها فنانون معروفون فأصبحت كالنشيد الوطني للجماهير العربية. كل ذلك جعل من صاحب (منتصب القامة أمشي) قامة وطنية وفنية وانسانية عالية لا تضاهى .
عزاؤنا في الشاعر هو قصيدته التي ستخلده إلى الابد.
الشعراء لا يموتون. كل قصيدة تعيدهم الى الحياة كلما قرأها قارئ في أي مكان .
لروحه الرحمة وللشعر الخلود والتجدد والعزاء الجميل.
كاتبة فلسطينية
أماني أبو رحمة