لا يجري شيء وفق نظام في حياة عائلة «أكومة». من ذلك مثلا أن «عيوش»، الزوجة والأم والجدة في الرواية التي تنقل سيرة ثلاثة أجيال، هي الآمرة لرجال الأجيال الثلاثة، حتى إن كان بينهم رجلان هم من قبضايات طرابلس وزعاماتها وحملة السلاح فيها. أما الأم، أم الرجل الأوسط، الابن مرة والأب مرة، فكانت تعمل في علب الليل، في ذلك الوسط الذي ينبغي له أن يكون محافظا. وهي فرّت من حبيبها خالد بعدما أضجرتها المدينة وضيّقت أحلامها. كما كان والد هذا الحبيب، زوج عيّوش، قد فرّ إلى حيث لا أحد يعلم. عيوش وحدها بقيت هناك، في البيت مع جيران وأولاد كثيرين، بينهم حفيدها نبيل، ابن خالد، المتروك مصيره، أو مستقبله، للصدف والأقدار. إلى جانب جَدّة ذلك الطفل، كانت عليا الدائزلي قد ساعدت على تربيته. كبر وهي موجودة في محيط نشأته، ملتبسة بين أن تكون أمّا أو موضوع رغبة، ثم هناك مصطفى، راعيه الآخر، لكن المعشوق الأول في سيرته المثلية عندما غدا فتى يافعا. ليس من شخصية واحدة بقيت كما كانت، أو استمرت على ما كانت تعد به. لم يكن الأب أباً ولا الأمّ أما. كلهم ساعون إلى لعب أدوار استلهمها بعضهم من بطولات، وبعضهم الآخر من أغنيات أو من أفلام سينمائية.
أما المدينة، طرابلس، فهي بدورها لا تختلف عنهم في بحثها عن أدوار تلعبها أو تتبعها. سريعا ما ولّى زمن البكوات ليحل محله زمن الأحزاب وقبضاياتها. ولم تطل فيها إقامة الفلسطينيين تاليا، ولا الوجود السوري، ولم تتأبد سيطرة الإسلاميين عليها، إذ لم تلبث هذه أن اضمحلت هي أيضا، تاركة فلولها ضائعة في حاراتها. أما حياة المدينة فلم تستقر على هيئة أو وجهة. في أي وقت من أوقات تبدّلها كان يبدو وجود الوقت الذي قبله غير قابل للتصديق. في العهود القصيرة المتتابعة التي تتنقل بينها الرواية نروح نسأل هل حدث ذلك الغرام حقا في المدينة بين خالد وحبيبته اليهودية عاشقة الفن؟ أو هل كانت المدينة، في وقت ما، تطرح غوايات على المقيمين فيها فتدفعهم إلى البحث عن تلك الغوايات في أمكنة أبعد؟
لم نقرأ في الروايات العربية، منذ بداياتها، ما يداني تلك الجرأة في اللغة، كما في ما تقوله اللغة. وهذه الجرأة المليئة بالمرارة والقسوة تبدو في الرواية مكملة لفظاعة المكان، متحدة معه في إيصال بطلنا المثليّ إلى أن يُقتل على يد من لا نحتاج إلى معرفتهم.
المشاعر أيضا، تلك العميقة إلى حدّ أنها لازمت الحفيد نبيل منذ طفولته حتى تعدّيه عمر الخمسين، هي أيضا غير مجارية للأوصاف المعتادة. حين يأتي ذلك الخمسيني ليتذكّر أمّه التي لم يرها ولم يعرفها، يراها «جثة تمشي حاملة معها قلبها وهي تقول (له) بصوت عارم بالحقد: خذه إنه لك». أما السياق الذي يجري فيه التذكر الأسود فحساب ما بعد الحياة. حيث، في ختام الرواية، يستعيد الكاتب مطلعها، ذاك الذي يكون فيه بطلُه وقد قُتل لتوه. إنه يتكلم من موته. وهو، من هناك، يحكي كثيرا، معوضا عن صمت السنوات التي عاشها وعن غرابتها، ومحولا الرواية من سيرة فرد في عائلة إلى سيرة فردية خالصة. تاركا لنا، نحن قارئيه، أن نعرف بالحدس سبب مقتله.
وهو يترك لنا أن نخمّن سبب مقتله من غير أن يكون مهما أن نعرف مَن هو قاتلُه. نقول مثلا إن ما دعا إلى قتله هو تأخره في الانتحار، كان صديقه ومساكنه فردريك قد أقدم على ذلك، وها هو نبيل المقتول يتذكّره أولا في مطالعة ما بعد الموت. كان ينبغي أن يبادر هو إلى قتل نفسه. لم يكن محظوظا مثل جده «علي» الذي أتيح له أن يقضي حياته ساعيا وراء أحلامه ليعود في آخرها حاملا سبحة بيده ومرخيا لحيته بما يناسب واقع طرابلس الأخير. لنبيل، الحفيد، كانت المدينة قد صارت ظل ما كانته، أو شبحه. وحيث أمكن لأبيه أن يعيش غراما كما في الأفلام، لم يحدث له، هو الابن، أن عرف شيئا من ذلك. ذاك أنه لن يستطيع أن يروي «غرامياته». في وصفه للأماكن التي كان يجول فيها، ليلا، باحثا عن صيده من بين الشبان أو الأولاد، لن تكون كافية كلمة «القاع» التي استخدمها الأدب لوصف الدرْك الأخير للمدن. هناك في الأزقة الليلية والحمامات العمومية يمكن أن يتوفّر الصيد. وما يزيد من فظاعة ذلك العالم صراحة المتذكِّر في وصفه لما يجري بينه وبين من يصطادهم. لم نقرأ في الروايات العربية، منذ بداياتها، ما يداني تلك الجرأة في اللغة، كما في ما تقوله اللغة. وهذه الجرأة المليئة بالمرارة والقسوة تبدو في الرواية مكملة لفظاعة المكان، متحدة معه في إيصال بطلنا المثليّ إلى أن يُقتل على يد من لا نحتاج إلى معرفتهم.
*«رجل من ساتان» رواية صهيب أيوب صدرت عن دار «نوفل» في 110 صفحات- 2019.
٭ روائي لبناني