قلوبهم مع الفلسطينيين، ولكن سيوف حكوماتهم مع إسرائيل. يعرفون أن الفلسطينيين على حق، ولكن معرفتهم لم تصل مرحلة من اليقـــين تنعكــس فيها أصواتاً في الانتخابات وقرارات سياسية على أرض الواقع. هم شعوب متحضرة ولديها معايير أخلاقية عالية، ولكن يلزمهم تحفيز حقيقي ليتحملوا مسؤولياتهم الحقيقية.
بعد العديد من العدوانات الصهيونية، وبعد العديد من القرارات الصادرة من الهيئة العامة للأمم المتحدة (بالتأكيد ليس من مجلس الفيتو الأمريكي) لم يصدر عن الأوروبيين سوى قرارات هزيلة من مثل وقف استيراد «بعض» منتجات المستوطنات في الضفة، ومن مثل تجميد بعض صفقات السلاح. وبعد مئات المظاهرات الضخمة في شوارع أوروبا ضد الجرائم الإسرائيلية التي تتكرر كل عدة أعوام، قامت الكتلة الأوروبية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالامتناع عن التصويت، ليس التصويت على إدانة لإسرائيل في جرائمها الأخيرة على غزة، ولكن مجرد بدء تحقيق دولي في الجرائم المرتكبة في غزة. لم تصوت الدول الأوروبية لصالح التقصي عن وقوع جرائم حرب، رغم كل الأدلة الواضحة عليها.
هل نطلب من الأوروبيين أن يكونوا عرباً أكثر من العرب؟ بالتأكيد لا، ولكن القارة العجوز ارتكبت في شبابها ما ندفع نحن كعرب ثمنه اليوم. ألم يطرد الأوروبيون اليهود ويسهلوا توطينهم في أرض غيرهم؟ الهولوكوست كان في ألمانيا، ولكن اليهود هاجروا من معظم أوروبا، سواء إلى أمريكا أو إلى أرض الفلسطينيين، وبتسهيل من الحكومات الأوروبية. لقد كان الأوروبيــــون يرغبون في التخلص من اليهود، فلم يمانعوا في القائهم على أرض العرب.
وبالعودة قليلاً إلى الوراء فإن الشراسة التي قاتل بها الصهاينة الأوائل لم تكن فقط بدافع الإيمان بالحلم، ولكن أيضاً لأنهم يعلمون ما ينتظرهم إن عادوا إلى البلاد التي غادروا منها.
من زود إسرائيل بالسلاح طيلة تاريخها وبالذات في البدايات؟ الأوروبيون بالطبع. من زودها بالتكنولوجيا النووية؟ الأوروبيون أيضاً. ولكن ما هو الوضع اليوم؟ رغم كل الانتقادات الأوروبية إلا أن الاتحاد الأوروبي هو أحد أكبر الشركاء العسكريين لإسرائيل، سواء من ناحية التجارة المباشرة بالمعدات والذخائر والتكنولوجيا، أو من حيث التزويد بالتقنيات السرية، أو من حيث امتلاك أسهم في شركات إنتاج السلاح في كلا الطرفين. عندما يتحدث البريطانيون والإسبان عن دراسة تجميد صفقات سلاح فإن ذلك مجرد كذب صريح، فهذه الصفقات لا تعني شيئاً ما دامت التقنية نفسها موجودة على الأرض في تل أبيب والنقب وغيرها، وتنتج من هناك، وما دامت الصناعات العسكرية الصهيونية تستمد جزءاً من التكنولوجيا الضرورية لها من مصانع أوروبا وشركاتها ومعامل أبحاثها.
بالطبع ينطبق كل ذلك على أمريكا وبشكل أكبر مما ينطبق على أوروبا، وعلى البرازيل وتشيلي وتركـــيا والهند وغيرها، ولكن الحديث هو عن أوروبا لأن الأمل في وعي الشعوب الأوروبية كبــــير، ولأن تأثير أوروبا على إسرائيل كبير. لا يكفي من أبناء الثورة الفرنسية وأحفاد مارتن لوثر وغاليليو مجرد التعاطف، فهم سبب في المشكلة، وفيما يقدمون الدعم المالي للســـلطة الفلســـطينية فإنهم يقدمون مثله وأكثر لإسرائيل، مضـــافاً إليه التعاون العسكري النوعي وخبرات الســـلاح والتكنولوجيا المتطورة والتدريب. وفيما يقاطعون بعض منتجات المستوطنات المزروعة في الضفة فإنهم يتناسون أن نسبة كبيرة من سكان تلك المستوطنات يحملون جنسيات أوروبية.
مطلوب من الجاليات العربية هنا أن تعيد فتح الجبهة الأوروبية وتسخينها، لا على طريقة القاعدة وباقي الإرهابيين، وليس بإثارة البلبلة والخوف وسفك الدماء، ولكن بوسائل احتجاج مشروعة تجبر الأوروبي العادي على الوقوف لبرهة والتفكير، وسائل تتحدى روتين حياته وتجعل تأييده لفلسطين ينعكس في الصناديق وعلى شكل مواقف سياسية، لا مجرد مشاركة في مظاهرة يتوجه بعدها لشرب القهوة في أقرب مقهى.
المطلوب حقيقة أكثر من مجرد مظاهرات، مع أهميتها بالطبع، فماذا عن محاصرة الشركات العسكرية التي تشارك فيها شركات إسرائيلية، أو الشركات التي تبيع تكنولوجيا عسكرية لإسرائيل، حتى لو لم تستخدم مباشرة في قتل الفلسطينيين، فحتى الرادارات أو الشريحة الإلكترونية أو الحذاء العسكري أو أجهزة الحاسوب، أي من هذه أو غيرها يباع للجيش الإسرائيلي لا يختلف أبداً عن بيع الذخائر والقنابل والطائرات، فكلها مشاركة في جهد عسكري يحمي احتلالاً مداناً بالقرارات الأممية، وكلها تحت تصرف قادة عسكريين يشتبه في تورطهم في جرائم حرب.
في مجال الإعلام بدا واضحــــاً أن الإعــــلام الأوروبي لم يستطع أن يبقى مؤيداً لإســـرائـــيل في هذا العدوان، ولكن بعض وسائل الإعلام تستحق وقفـــات احتجاجية أمامها مدعمة بالصور والوثائق من غزة لإحراجها وتعريتها، ثم أن البرلمانات الأوروبية نفسها لا ينبغي أن تبقى تتمطى فيما يذبح أبناؤنا وآباؤنا في غزة بدعم من صمت تلك البرلمانات. ينبغي هز سكون تلك البرلمانات بطريقة أو بأخرى.
هذه العدوان قد يكون انتهى، ولكن السلسلة لن تتوقف، وسيبقى شلال الدم ما دام الفلسطينيون يرفضون الاحتلال، وما دام المحتل يرفض التغيير.
وينبغي أن ننظر كعرب في أوروبا بطريقة مختلفة إلى الوسائل التي نرغب في الضغط فيها على الرأي العام هنا، في مراحل الهدوء أو في الاعتداءات الإسرائيلية المقبلة. قبل 40 عاماً عندما بدأ العرب والفلسطينيون في التكاثر في أوروبا ووجهوا برأي عام مؤيد كلية لإسرائيل، وبصبر أولئك الرواد ومثابرتهم عبر عقود وصلنا إلى مرحلة لا بأس بها.
الشعوب هنا لديها قاعدة ممتازة من الأخلاق والمعايير الإنسانية، ونحن لدينا قضية عادلة، وإن ضغطنا بالوسائل المشروعة المتاحة فإننا سنعري نموذج الإرهاب والإرهابيين الذي يحاول البعض إلصاقه بنا، وسنحصل على دعم أقوى لقضيتنا. مطلوب منا أن نضع الأوروبيين أمام حقيقة أن الثورة على الظلم العالمي عنوانها تحرر فلسطين، وأن أوروبا ساحة مهمة في تلك الثورة.
٭ كاتب أردني
علاء الفزاع