امام هذا الواقع المزري في الموصل وما حولها لا ندري كيف نعزي انفسنا مسيحيين ويزيدين ومسلمين بهذه المصائب العظيمة التي حلت بديارنا. وما فائدة العزاء والبكاء والنحيب دون التوصل الى نتائج عملية توقف هذه الكوارث غير الطبيعية وتؤسس لعقد ميثاق شرف اجتماعي يجمع اهل الدين والخير والخبرة والعلم ليضعوا نصب اعينهم شعارا يهدف الانهاء الفوري لهذه المجازر المروعة وعدم السماح اطلاقا لتكرارها فيما بعد. لابد من العلماء والمثقفين المسلمين اولا وقبل كل شيء التبرؤ من هذه الفئة الضالة المضلة وتصنيفها في خانة المفسدين في الارض الذي يتوعدهم القرآن الكريم بأوخم العقوبات في الدنيا قبل الآخرة. بل ينبغي نتيجة تكفيرهم لغيرهم تطبيق معيار السنة النبوية عليهم من خلال الحديث الشريف القائل من كفر مسلم فقد كفر. وضرورة تذكير المسلمين عند تعاملهم مع غيرهم بالمبدأ الاسلامي الخالد لا أكراه في الدين او مبدأ لكم دينكم ولي دين. وحديث رسول الله الذي بحرم أيذاء الذمي عندما قال من اذى ذميا فقد اذاني ومن اذاني فقد اذى الله
ان العلاج لا يكون ناجعا دون الارتكان او الاعتماد على ارض قوية صلبة لعل اهمها تعضيد وتفعيل المواطنة التي تعتمد على مبدأ حق الارض ويعني بان الولادة على ارض وطن ما تسمح للطفل ايا كان اصله ودينه وقوميته من الحصول على جنسية ذلك البلد وهذا يعني الارتكان الى البعد الجغرافي. فالمواطن الصالح هو الذي يحب الارض والوطن الذي يعيش فيه بغض النظر عن البعد التاريخي المتمثل بالمعتقدات الدينية والمذهبية والقومية والعرقية. كما انه من الضرورة بمكان التعرف على الابعاد التاريخية لكل شعب لتجنب اخطاء الماضي القريب والبعيد كالذي يدرس مسالك جهنم كي لا يقع فريسة لها. نحن في العراق على سبيل المثال كان من الممكن ان نتجنب الحرب القومية بين العرب والاكراد او الحرب الطائفية بين السنة والشيعة او الحرب الدينية بين غلاة المسلمين والمسيحيين لو كنا قد استوعبنا التجارب المريرة التي مرت بها الانسانية كالحروب الدينية الني مرت بها اوربا بين البروتستانت والكاثوليك او محاكم التفتيش الاسبانية ضد المسلمين واليهود او الحرب الاهلية الامريكية.
نعم نحن لسنا مجبرين ان نكرر الحروب الدينية التي حصلت لغيرنا لو درسنا اسباب الازمة بتمعن وروية. عندها سوف لن نسمح بكل هذه الاختراقات الاجنبية والاقليمية والمحلية. فالطامة الكبرى كما يعلم الجميع بدأت اثر الاحتلال الامريكي للعراق وتقسيمه الى مكونات اثنية وطائفية ودينية عبر الدستور. فقد بدأ الصراع للاستحواذ على المكاسب السلطوية والمادية بين الطوائف الكبيرة شيعة سنة اكراد وانشأوا لهم قوات مليشياوية وساندهم جيش الاحتلال. في حين اهملت الطوائف الرئيسية الاخرى كالمسيحية والصابئة واليزيدية من قبل جيش الغزو والمكونات العراقية الثلاثة لا لشيء سوى لانهم مواطنون مسالمون لم يرتضوا لأنفسهم الاستقواء بالمحتل الامريكي.
لو نريد ان نكون عادلين ومنصفين كما اوصانا القرآن الكريم علينا ان نقر بحقيقة قد تكون غائبة عن ذهن السياسيين العراقيين وهي ان بعض المسلمين العراقيين سواء كانوا من الاكراد او من الشيعة او من السنة هم الذين زينوا للادارة الامريكية والبريطانية احتلال بلدهم في حين ظل المسيحيون والصابئة واليزيدون متشبثين بوطنهم ولم يساوموا عليه رغم الاغراءات الاجنبية الغربية. فلا يستطيع احد اذن المزايدة على اخلاصهم للوطن. انه لمن المؤلم والمؤسف ان يدفعوا هذا الثمن الباهظ بالارواح والتهجير والاموال دون ذنب اقترفوه وكان من المفترض اكرامهم والاعتماد عليهم لتسيير شؤون البلاد مؤقتا ريثما تتم المصالحة بين تلك المكونات الثلاثة الكبيرة. لا ان يحصل العكس حيث يستغل حبهم لوطنهم وغياب الحماية العسكرية لهم وقلة عددهم بارتكاب اشنع الجرائم بحقهم.
من ناحية المبدأ حتى لو يعيش في العراق مسيحي واحد او صابئي او يزيدي لا يمكن ان نطلق عليه كلمة اقلية طالما هو مواطن ملتزم بواجباته تجاه الوطن وينبغي ان تكون له حقوق. فالاغلبية والاقلية في الدول الديمقراطية تعتمد على الافكار والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل حزب او تنظيم سياسي او نقابي. ويحق لاي شخص ان يتبوأ ارفع المناصب حسب كفاءته بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته وجنسه ومنطقته وعشيرته. ولنا في هذا المجال شواهد كثيرة فحسقيل ساسون اول وزير عراقي للمالية بعد تأسيس الدولة العراقية كان قد خدم العراق بكل اخلاص وهو من اتباع الديانة اليهودية. وجون كيندي الرئيس الامريكي الشهير كان كاثوليكيا رغم ان اغلبية الامريكان من البروتستانت. كما ان الرئيس الامريكي الحالي باراك اوباما اصله افريقي. كان الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي ايضا من اصل هنغاري. مثلما كان كل من رئيسي الوزراء الفرنسيين السابقين ميشيل روكار وليونيل وجوسبان من البروتستانت رغم ان اغلبية الفرنسيين من الكاثوليك.
ان مبدأ تقنين المكونات عبر الدستور واستفحال المحاصصة الطائفية المقيتة فتح الابواب مشرعة لحروب شعواء صماء عمياء خرساء منذ عام 2003 بين الشيعة والسنة وبين الشيعة والاكراد وبين السنة والاكراد. فاذا علمنا بدايات تلك الحروب لا يستطيع احد على وجه الارض التنبؤ بنهايتها. وها هي شظاياها تصل الى مكونات مسالمة لا تعادي احدا ولا تطمع بالسلطة وتريد أبسط المطالب كالعيش المشترك في وطنها بكرامة وامان وسلام وحرية كفلتها كل الاعراف السماوية والارضية في ارجاء المعمورة.
ان الظلم والتمادي به من قبل الحكومة العراقية السابقة لاكثر من عشر سنوات فسح المجال للطائفيين الغلاة والتكفيريين من الطائفتين الشيعية والسنية من فرض قوانين الغاب في العراق عن طريق المليشيات الطائفية الحكومية والمليشيات المتعصبة لما يسمى بالدولة الاسلامية. فضاعت نتيجة لذلك القيم والمبادىء وبات قانون القوة بديلا عن قوة القانون الذي من المفترض ان يحفظ مصالح الجميع.
بالمحصلة الرئيسية لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يكون التدخل الاجنبي حلا لمشاكلنا لانه بالحقيقة اساس الداء فهل من المعقول ان يكون الداء هو الدواء؟ ويجب ان لا يتوانى المخلصون من العمل دون كلل او ملل من تقريب الهدف المنشود للكثير من العراقيين الداعي لتأسيس دولة مدنية عادلة تعطي لكل ذي حق حقه ليعود هذا البلد الى نضارته ومجده وعطائه ونؤسس جميعا عراق متسامح يحتضن جميع ابناءه دون تمييز
اخيرا ينبغي ان لا ننسى بأن القران الكريم الكتاب السماوي للمسلمين من اول سورة الى اخر سورة منه كان يركز على الانسان واخلاقه وقيمه السامية ويحثة لتقديم خدماته لاخيه الانسان مهما كان دينه وعرقه وجنسه.
٭كاتب عراقي
د. نصيف الجبوري