لسميح قاسم صورة الغياب والذكرى الحامضة قبل هذا اليوم في قلوب السوريين. السوريون هم أصحاب الحديقة الخلفية للحداثة الشعرية العربية.
فمن هذا المكان الذي يمكن وصفه برهين المحبسين – تيمناً بابن المعرّة «أبو العلاء» – ؛ الاستبداد والضحية، أتت أكثر الاقتراحات تنوعاً وأصالةً؛ ما بين غزليات نزار وقصائده السياسية، وتوتّر أدونيس النابِش دوماً في التراث، عاشق الصدمات والجدل (وإن كان عقيماً)، إلى اقتراحات سليم بركات التي تعلّم الخيال التواضع أمام سيل الصور الساحرة، وأمام تلك اللغة التي لا حدّ لجمالياتها، إلى المدلل الأشهر محمّد الماغوط، المتبرم ذو الصوت الجارح، والأكثر شطارةً في التقاط المفارقات، إلى سلسلة لا تنتهي من الشعراء السوريين، لكلّ منهم صوته الخاصّ، ومريديه من جمهور حقيقي لقراءة الشعر.
ولسميح قرّاء سوريون كثر، سميح الذي ارتاح كثيراً إلى صورته كـ»شاعر مقاومة»، ونظر إلى نفسه باعتباره منقذاً أبدياً، لا يتردّد في مخاطبة الجميع (وقد دمج الفلسطينيين والعرب معاً) بـ : يا «أيّها النيام». وقد ظنّ لوقتٍ طويل، أن في وسع القصيدة أن تحرّر الوطن (والتعبير لمواطنه الناقد الكبير فيصل دراج في وصف شعر معين بسيسو)، وكتبها وفقاً لهذا. قصيدة سميح بين بين، فلا هي كلاسيكية ولا هي حداثية. إنها القصيدة السردية بامتياز، تتعدّد شخوصها الموزعة في الغالب إلى خيّر وشرير، وإذ يترافق ذلك مع نزعة الشاعر في تصوير نفسه كمنقذ، مالت قصائده إلى استعمال الضمائر بصيغة الجمع : نحن وأنتم، لكأنّه ناطق باسم جماعة بذاتها في وجه جماعة أخرى. وإذ غدا سهلاً التعرّف إلى هاتين الجماعتين (الفلسطينيون والعرب من جهة، والاسرائيليون من الجهة المقبلة)، صار من الممكن له جذب -في بداياته خصوصاً-جمهورٍ من القرّاء (الذين تناقصوا على مرّ الأيام). ولعلّ هذا الجمهور أثّر بصورة حاسمة في نفسه، فرفع الكلفة بينه وبين قارئه إلى أن غدا يكتب وفي ذهنه قارئ يطرب لقصيدةٍ مُفحمة عن بطولةٍ ومقاومة تجيئان من ذاك البلد الصغير النحيل الأسير: فلسطين.
وارتاح القاسم أيضاً إلى أولى إنجازات التحرّر من القصيد (الشطرين المقفى)، وبقي هناك، غير قادر على التخفّف من مكر الجمل القصيرة في التحول بسهولة إلى أغانٍ مقفاة، ضاجّة بالرنين. وقد مكرت به القوافي وأخواتها من التجانس اللفظي بقوّة، هو الذي -كما قال في حواره الأخير في جريدة القدس- كان عاشقاً للرقص بأنواعه، لكنه بإصراره على خيارٍ مماثل، كشف مثالب الإيقاع المفتعل، ما حدا بغيره من الشعراء الممتازين إلى الابتعاد عن هذا الطريق الذي لا تفضي الخطوات فوقه إلى هدف جمالي وشعري معتبر. وإذ توضع اليوم قصائده في ميزان الشعر، فالظنّ أنه لا يربح أكثر من النغمات الحماسية، والصورة المحنطة لشعراء المقاومة. أمّا في الميزان السوري، فيلتحق سميح بقطار الشعراء الذين خيّبوا أمل أكبر جمهورية لقرّاء الشعر : الجمهور السوري، ابن الحديقة الخلفية للحداثة الشعرية العربية، الجمهور الذي يقرأ سميح، ثم ينظر إلى غزّة المتهالكة من التهديم والتكسير، ويرى ضحايا يشبهونه، ينهضون مثله من الركام، ويصرخون أمام شاشات التلفاز، فتختلط الأمور بين السوري والفلسطيني، بين غزّة وحلب. لكن الصوت الصارخ في قصيدة سميح ينأى عن المشهد. فلسطين في قلبنا أجمل من صورتها في قصيدته، فلسطين أخت سورية في اللفظ (سورية الجنوبية) وفي المقاومة والموت وكل الناهضين من الركام، وفي كل شيء.
ناقدة سورية
ديمة الشكر