إن سيرة معاني سميح القاسم لا تحتاج منا إلى تذكير، فهي محمولة في قصائد طالت بقاماتها هامات السماء العربية، ومثّلت في ذاكرة الناس أيقوناتٍ باذخةٌ سيمياؤها الوطنيةُ والعروبيةُ والإنسانيةُ.
ومن ثمة، لا نخال هذا الشاعر سيفرح كثيرا بمديح نقوله فيه وإن كان من باب الحقّ. ونزعم أنه لو لم يتيقّن من كونه قد اكتمل في الأرض بكلّ أوجاعه وأفراحه وبجميع انتصاراته وانهزاماته في الحياة وفي الكتابة لَما رحل عن الدنيا، نقول هذا لإدراكنا حجمَ إصرار الشعراء على الحياة، ألم يكتب: «أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك/ أعلمُ أنّي تضيق عليّ ضفافك/ وأعلمُ أن سريرك جسمي/ وروحي لحافك/ أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك»، متحدّيا بذلك استشراء مرضه العضال في جسده، لا، بل ويدعوه إلى أن يشرب معه قهوة ليقرأ بختَه: «اشربْ فنجانَ القهوة/ يا مرض السرطان/ كي أقرأ بختك في الفنجان». لقد اكتمل سميح القاسم مشروعا شعريا رفد الشعرية العربية بمعين قوَّى فيها حضور أفهومات الوطن والمقاومة والممانعة وغيرها مما أُغرمت به قصائدنا العربية منذ ستينات القرن الماضي ومثّل فيها ثيماتها الأثيرة.
ولأنّ أثرَ مديح الأموات شبيه بأثر القدح فيهم وهم أحياء، فضّلنا أن ننظر إلى جهة أخرى من سيرة هذا الشاعر، وهي جهة علاقته مع الشاعر محمود درويش. والذي في رأينا أنّ الصداقة والأخوّة اللتيْن جمعت بينهما تُخفي ملامح «عقدة» شعرية لدى سميح من درويش، وصورة ذلك أنّ الشهرة التي نالها محمود درويش غطّت في كثير من الأحيان شهرة القاسم، وهو أمر نلفي له إشارات موحية في كثير من كتابات سميح القاسم أو حواراته. فهو يستثمر المُتاح من فضاءات القول ليُذكِّرَ بحميمية صداقته لدرويش، ولكنه يزرع في خلال ذلك بعض المعطيات التي تشي بكونه يرى في نفسه «الأب» الذي يحمي درويش و«المعلّم» الذي يُلهمه المعنى، على غرار قوله في حوار أجراه معه صحفي تونسي: «محمود درويش ليس صديقي اللدود وإنما هو صديقي العزيز وهو أخي الأصغر وهو تلميذي في الحياة والهم الإنساني وشريكي، وفي حياته كنت أداعبه وأقول له أنت أخي الأصغر». بل إنّ سميح يكشف عن كونه أكثر فهما للحياة من درويش، ولا أدلّ على ذلك من قوله: «محمود كان خجولا قليلا، ومحبا للسيدات الأكبر منه سنا، الناضجات، ومنطويا قليلاً ولا يشارك مثلا في حفلات الرقص، أما أنا فكنت أفضل أن أكون الراقص الأول في حفلات الرقص، مولع بالرقص الشعبي والصالوني» ، بل إن سميح القاسم يميل إلى الاعتقاد بأنه أوعى من درويش بعلاقة القصيدة بجمهورها العربي، حيث لا يني يذكر أنه هو مَن اقترح على درويش تغيير اسم «إيريس»، وهي حبيبة درويش الحيفاوية التي يصفها بكونها غير ناضجة فكريا وسياسيا، باسم «ريتا»، لأنّ «اسمها فيه إشكالية بالنسبة لنا كعرب فاقترحت عليه تغيير الأحرف فصارت ريتا، وقبل محمود ذلك».
كاتب عراقي
عبد الدائم السلامي