تشريح جثة الكتابة: من يعلن موتها؟

أسهر على جثة من فكرة وورق. هي جثة الكتابة أو هي جثتي فيها. هما واحد ملتبس. الورق فارغ، طنين حشرة الكتابة في دهاليز عميقة يغريني بعدم النوم قبل إنجاز شيء ما أجهل كينونته، رغم توفر مادته الخام. تفشل محاولات استهلال نص يتحدث قبل كل شيء عن جدوى الكتابة ذاتها، ويشبه فارغاس يوسا الروائي بالكاتوباليبس، وحش أسطوري يلتهم نفسه، حتى إذا بقيت منه لقمة نام ليعود في الصباح كما كان. ويكتب محمود درويش في يوميات الحزن العادي «أكتب كي يكف هذا الحزن عن كونه قابلا للقبول».
فليكن الاعتراف حقيقيا وشجاعا، فأنا أسهر على جثتي فيها، أقف على قبري اللغوي، أو أجلس حين أتعب قربه. لا أنظر لشيء محدد، ولا أنتظر شيئا محددا. أبدد الوقت في تأمل طويل يعبر أزمنتها وعناوينها. أسعيد باجترار بارد قراءات مضت عليها سنوات، عقود، بل قرون. وأتذكر جملا كثيفة كتبها عظماء هذا الفن، شعراء وروائيون وفلاسفة، كنت أحتفظ بها، كاحتفاظ الميكانيكي بخردوات قديمة في مستودع خلفي، بوسواس أنها ستلزمني حين أكتب يوما ما عن فكرة ما. لكنها مع مرور الوقت وازدحامه بالموت والخراب بدت ناصلة، مشلولة، تفتقد للجاذبية، وتعجز عن النزول للعمل في النص. وكأنها في إضراب، والحقيقة أنها متوفرة، ولكنني في صدمة أذهلتني وغيري أيضا وحتمت علينا مراجعة أنفسنا: هل ماتت الكتابة؟ أم نحن من مات مجازا ولكنه ينتظر موته المعلن؟
كنت كلما دفنتها في المساء عادت في الصباح جثة طافية. أعود فأدفنها كما يليق مع لوازمها، هكذا كما تقتضي الأعراف، يدفن الفارس بأسلحته، والضابط بنياشينه، وأول لوازمها القناعة بأنها مجدية في نزح الماء عن قعر السفينة، أو بشيء من السماجة الرومانسية أنها تشعل شمعة في الظلام، في الفكر والقلب، أو أنها تستخرج الأمل النفيس من أنقاض هذا العالم. ما الذي على الكاتب فعله بكل هذا الخراب! وعند بابه يصرخ المخبرون وعر هو المرقى إلى الجلجلة، والصخر يا سيزيف ما أثقله! لقد انتهى زمن كان الكاتب فيه مثالا أفلاطونيا، كما انتهى زمن كان الكاتب فيه واقعيا اشتراكيا، وبات الواقع أشد بطشا وصدما من الواقعية، صدمته أعنف ونفير الدم فيه أوسع من أن يحيطه نص أو أن يمسكه أسلوب، أي أسلوب هذا الذي يمكنه أن يمسك تدفق هذه الحمم من بركان يتفجر كل لحظة بما لا حصر له من المآسي! كلما أمسكت قلم الكتابة هتف في سمعي أصوات أطفال داهمتهم سواطير القتلة، أرعبتهم قنابل القصف الهمجي، تائهين يبحثون عن مكانهم، عن عناوينهم السابقة، عن وجوه أمهاتهم، جائعين، تستخدمهم الكاميرات بنذالة لا مثيل لها لتصنع منه مادة فيسبوكية تستعطف الإعجابات، تحولهم القوى المتصارعة أدوات تهمة، يدوي صراخهم في أذني، أرى وجوههم، دموعهم، هلعهم، يسقط القلم، لتبدأ أعاصير الأسئلة. هو الشلل، عدم مكافأة هذه المنازلة، الكاتب بوزن الذبابة والواقع بوزن ما فوق الثقيل. هي دونكيشوتية جديدة، هي عدم القدرة على الإتيان بأي شيء سوى تأمل جنائزي طويل لن يفضي في الأغلب لأي شيء إيجابي سوى أن الكاتب خلاله قد امتنع عن الكتابة.

لا يمكن تخيل مدى قبح هذا العالم في ما لو جُرِدَ عن فسحة الكتابة، رغم بؤسها بعلتها الشللية في عدم بلوغ الوظيفة المرجوة لها في تغيير هذا العالم للأفضل.

الكتابة ـ كما قال فارغاس يوسا – هي خلق عالم مواز. عالم بديل عن هذا الذي لم يعد فيه من شبر بريء عن دنس هذا الشر المتعاظم. لا يمكن تخيل مدى قبح هذا العالم في ما لو جُرِدَ عن فسحة الكتابة، رغم بؤسها بعلتها الشللية في عدم بلوغ الوظيفة المرجوة لها في تغيير هذا العالم للأفضل. في منع تدهوره البائس، وفق تعبير كونديرا، نحو الأسوأ. لكنها تبقى فسحة يتنفس المرء فيها هواء البقاء، ولو في سراب حلم بعيد. هنا صارت الكتابة منتج العزلة، عزلة كل واحد فينا، وهذا وفق ميلان كونديرا أيضا في كتاب «الضحك والنسيان» ينطوي هذا على أثر متصاعد إلى ما يسميه كونديرا «هوس الكتابة».
«إن تنامي هوس الكتابة بين الساسة وسائقي سيارات الأجرة والنادلات والقتلة والسارقين والعاهرات والحكام والأطباء والمرضى، يثبت لي أن كل إنسان، وبدون استثناء، يحمل في قرارة نفسه قدرة كامنة على الكتابة، بحيث يمكن أن ينزل كل بني آدم إلى الشارع ويهتف: كلنا كتاب. فكل منا يخشى فكرة الزوال من عالم لا يبالي بوجوده، والزوال بدون أن يراه أو يسمعه أحد، ولهذا يسعى كل واحد منا أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به قبل فوات الأوان، وعندما يأتي يوم (وهو غير بعيد) يلقي فيه الناس أنفسهم كتابا. سنكون قد بلغنا زمن الصمم وانتفاء التفاهم الشامل».
حدث هذا بما منحه الفضاء الأزرق من فسحة واسعة للتعبير بدون التذلل المرير لدور النشر، بدون انتظار طوابير الكتبة على أبواب الصحف، هو زمن العزلة وراء الأجهزة الشخصية، لسرد التجربة الذاتية، هي قطبة في نسيج عام من الألم، هي ردحة في نفير هذا الصراخ، هي رغبة المرء أن يقول لا. رافضا قبول هذه المصائر البائسة، غير مصدق أنها حدثت، والعزلة هنا تدعم هوس الكتابة هذا، وهوس الكتابة بدوره يعزز العزلة ويفاقمها، ويخشى صاحب «حفلة التفاهة» أن هذا الهوس لن يفضي للتفاهم الإنساني بل لعكسه
«إن اختراع الآلة الطابعة مكن الناس قديما من أن يفهم بعضهم بعضا. أما في عصر هوس الكتابة الكوني، فقد اكتسب تأليف الكتب معنى مناقضا: كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة، كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج».
ثم يحدد كونديرا شروطا يتحول فيها هوس الكتابة إلى وباء. أولا في مستوى من الرفاهية يسمح للناس التفرغ لنشاط غير ذي جدوى. وثانيا في درجة عالية من تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثم درجة عالية من عزلة الأفراد. وثالثا في خلو الحياة الداخلية من المتغيرات الكبرى (يرى مثلا عدد الكتاب في فرنسا يفوق عشرين ضعفا عددهم في إسرائيل). قد يكون شرطاه الأوليين من الصحة بمكان ما، لكن شرطه الثالث بدا لي مناقضا لحالة الكتابة اليوم، فالكتابة اليوم في خضم هذه المتغيرات الكاسرة للعضم تتخذ شكل الهروب من العواصف العاتية، احتماء المرء منها بطريقة تشبه اختباء الحيوانات في قواقعها من هول لم يعد العقل الإنساني قادرا على تحمل عنفه ومقدار البربرية فيه.
وماذا بعد هذا البوح؟ ماذا بعد أن نسرد كل ما في خاطرنا؟ وبعد أن نتبادل القراءات، فما الخطوة التالية؟ كثيرا ما يسيطر عليّ شعور بأنني أتمسك بما أكتب لدرجة أنني أرفض دخول عالم الموتى دونه، أريده معي، تشاجرت طويلا مع حراس القيامة الذين منعوني من إدخال هذا الورق، قالوا لا فائدة منه هناك، قلت لا وجلست وحيدا عند عتبة برزخية. فلا أنا قادر على ترك مسودات هذا الألم ولا أنا قادر على إدخالها.
أريد أن أصدق بأن الكتابة لا تزال ترفض الموت، وأن الزمن يتسع لبعض الثرثرة فوق هذا الخراب، تافه هذا ربما، لكنه رغم تفاهته يبدو مسليا للخاطر الذي استباحته المجازر، أريد الكتابة رغم أنني أراقب دور النشر والصحف، بعضها مات وبعضها يلفظ أنفاسه الأخيرة، فحين ينهار الكل لا يمكن الحديث عن نجاة الأجزاء، فهو انهيار بنية كاملة، بكل ما فيها، وتنتقل الثقافة كلها للعالم الافتراضي، لهذا العالم الأزرق، كبديل عن واقع انهزم حتى النخاع، تفتت حتى اكتظت الجهات بالنازحين، هناك، في العالم الأزرق، تشكلت الثقافة الجديدة، الكتابة الجديدة، بزغت من جثتها السابقة، حيث يختلط – وبفوضى قيامية – كل شيء، تعرض المنتجات الثقافية باتساع كوني، ويتراجع عالم الورق شيئا فشيئا إلى الهجران، تموت الكتابة بشكلها الكلاسيكي، تطفو كل صباح بعد أن دفنتها في مساء أمس رافضة مصيرها.

٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية