ريف دمشق – «القدس العربي» : رغم رسائل المصالحة وإنهاء عمليات الانتقام التي سعى النظام السوري لتعويمها فوق ركام الغوطة الشرقية إبان إفراغها من المعارضة المسلحة والمدنيين الرافضين للتطبيع بشكل أو آخر مع النظام، إلا أن حاضر تلك البقعة الجغرافية التي اعتلت قائمة الاهتمامات الإخبارية طيلة السنوات الماضية لم يتغير عن سالف عهده، من تضييق على الأهالي واعتقالات إلى مصادرة أملاك ابنائها المنقولة وغير المنقولة.
وتداولت المعارضة السورية أمس الجمعة، قراراً صادراً عن حكومة دمشق يقضي بمصادرة ممتلكات 137 شخصاً من مدنيين وعسكريين في الغوطة الشرقية ممن شاركوا في الحراك الثوري المناهض للأسد، وشملت قوائم المصادرة أملاكهم، أسماء رؤساء مجالس محلية وهيئات مدنية وإعلاميين وقادة سابقين في الجيش السوري الحر، وكان النصيب الأكبر من تلك العقوبات ضد مدينة دوما، عاصمة الغوطة، والثقل العسكري لجيش الإسلام، الذي كان لقياداته نصيب من قرارات المصادرة.
مصدر لـ «القدس العربي»: قيادات جيش الإسلام على رأس القائمة
الوسائل الإعلامية سربت قوائم تضم مصادر أملاك عائدة لـ 86 شخصاً معظمهم من ابناء مدينة دوما، بالإضافة إلى 51 من عائلاتهم، كما احتوت القائمة اسم معتقلة قضت تحت التعذيب في سجون الأسد، بتهمة «ثبوت التورط في الأعمال الإرهابية السائدة في القطر»، وكان قد أعلن النظام السوري عام 2018، عن تطبيق القانون (رقم 10) القاضي بإحداث مناطق تنظيمية جديدة أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية «الصادر عن رئيس النظام بشار الأسد».
وقال الائتلاف السوري المعارض: هذه الخطوة ملحقة بالقانون رقم 10، والذي يقضي بإحداث مناطق تنظيمية جديدة أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، ولفت إلى أهمية إطلاق مشروع وطني يساهم في حفظ وحماية الملكيات العقارية، وخاصة بعد الدمار الواسع الذي خلفه قصف النظام للمراكز المدن والمناطق السكنية، وإصدار القوانين والمراسيم التي تنتهك حقوق الملكية.
واعتبر ممثل المعارضة السورية هذه القرارات بمثابة إستراتيجية مكشوفة من قبل النظام السوري في سرقة الملكيات العقارية من اللاجئين والنازحين والمهجرين قسرياً، ومنحها إلى سكان جدد موالين له، موضحاً أن هناك بعض التقارير تشير إلى وجود عمليات نقل ملكية غير قانونية تحصل في بعض المناطق بتدبير من النظام، وهو الذي يندرج ضمن جرائم الحرب وفق القانون الدولي.
مصدر مطلع قال لـ «القدس العربي»: أكثرية من شملتهم قرارات مصادرة الأملاك هم من المنتسبين لجيش الإسلام خاصة، وعلى رأسهم قياداته كـ «أبو همام البويضاني»، والشرعي «سمير كعكعة»، وغيرهم من قيادات الصف الأول، بالإضافة إلى أن عدداً من المدنيين قاموا بتسوية أوضاعم بعد حلقات التهجير، إلا أن مصالحة النظام الحاكم لم تحمِ أملاكهم.
ووضع المصدر الذي فضل حجب اسمه، الخطوة الأخيرة للنظام ضمن خانة نجاح النظام ببسط نفوذه بشكل أوسع مما كان عليه من قبل داخل الغوطة الشرقية، وممارسة عمليات الانتقام من مدن الريف الشرقي للعاصمة الذي كبد جيش النظام خسائر عسكرية لسنوات خلت. وسبق أن أصدر النظام قراراً بتاريخ 3 آب/أغسطس 2018 يقضي بحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة لشريحة واسعة من العاملين سابقاً بمنظمات المجتمع المدني والحكومة المؤقتة في درعا، إضافة لممتلكات أولادهم وأزواجهم.
كما أشار موقع «صوت العاصمة» المحلي، إلى قيام فرع «الأمن العسكري» بحملة أمنية مطلع شهر نيسان/أبريل الحالي، وصفت كثاني أوسع عملية منذ سيطرة الأسد على الغوطة الشرقية، ونتج عنها اعتقال 50 مدنياً، ونوه المصدر إلى توزع التهم بين مطلوبين وملاحقين للتجنيد بسبب انتهاء المدة المعطاة لهم للالتحاق بجيش النظام.
ومن داخل الغوطة الشرقية، قالت مصادر خاصة لـ «القدس العربي»: الغوطة تعاني من حصار خانق بعد انقضاء الأشهر الأولى من تهجير المعارضة السورية وثلة من المدنيين نحو الشمال السوري، إذ فرض جيش النظام قرارات صارمة بما يخص حركة تنقل المدنيين، من منع أي مدني من مغادرة مدينته نحو العاصمة دمشق قبل الحصول على موافقة أمنية من استخبارات الأسد، أما النساء فيسمح لهن بالمغادرة بشرط العودة بذات اليوم من العاصمة.
وأضافت المصادر المحلية: بادئ الأمر كانت الأسعار مقبولة نوعاً ما، ولكن بعد ذلك بدأت بالارتفاع تدريجياً، لتصل أسعار المواد الغذائية إلى أضعاف ما كانت عليه خلال الحصار العسكري الذي فرضه النظام السوري عليها إبان المعارك مع فصائل المعارضة.
أما البطالة، فتجاوزت عتبة 75%، وتم حرمان آلاف الأيتام والأرامل بشكل متعمد وسياسي من المساعدات الإنسانية، والذريعة بأنهم ابناء وزوجات «إرهابيين»، ولا يخفى على أحد أيضاً أن مطالب التجنيد ضمن القوات الحكومية شملت كل عائلات الغوطة، والملاحقات والاعتقالات بلغت أرقاماً قياسية.
ووصفت المصادر الموجودة داخل الغوطة لـ «القدس العربي» المشهد الحالي بـ «المرعب وغير المسبوق»، حيث يساق الشبان والرجال إلى المعتقلات بشكل يومي، ولا يتجرأ أحد على السؤال أو حتى التصريح بذلك، والفقر يأكل العائلات والأوضاع تتدهور من سيئ لأسوأ من فرض حواجز النظام السوري للضرائب «الإتاوات» على المحال التجارية، وعلى كل بضاعة تدخل إلى مدن وبلدات الغوطة.