هجوم حفتر على طرابلس يدفعه جنون العظمة ودعم الخليج وتردد أوروبا وانتظار أمريكا

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لم يتغير الجنرال أو المشير خليفة حفتر، فهو نفسه الضابط الذي انشق عن زميله معمر القذافي وقضى 25 عاما في المنفى الأمريكي، في فرجينيا، بعدما أنقذته المخابرات الأمريكية وزملاءه ونقلتهم من تشاد إلى الكونغو وانتهى هناك يراقب ويحضر كما قال للمهمة القادمة. وأتيحت له الفرصة باندلاع الربيع العربي والثورة على نظام القذافي عام 2011 وعاد على أمل أن يقود الثورة ويحقق حلما ماضيا، وأن يتولى المنصب الذي طالما تاق إليه.

ولم تكن عودته مرحبا بها، فالجنرال المتبختر كما وصفه تقرير في مجلة “نيويوركر” في حينه لم يجد من يرحب به أو يمنحه شرف قيادة ثورة ضد أربعين عاما من الطغيان. وعندها عاد مرة أخرى إلى أمريكا متعللا بأنه يريد قضاء وقت مع أحفاده ليعود من جديد ويبدأ ما قال عنها إنها حملة “الكرامة” للقضاء على الإرهاب الإسلامي. وبنى الجنرال حفتر صورته على شاكلة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأعلن خطته في خطاب ألقاه عام 2014 واستعار كلماته كما لاحظ ديفيد كيرباتريك في تقرير له بصحيفة “نيويورك تايمز” (8/4/2019) من خطاب ألقاه السيسي قبل أشهر. وتحدث فيه عن مجلس أعلى للقوات المسلحة الليبية، غير موجود، في تقليد ساخر للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية. ووعد “سيسي ليبيا” بخريطة طريق تماما مثلما وعد السيسي. ويقول أنصار حفتر إنه الشخص الوحيد الذي يمكنه تجنيب البلاد المصير الذي أصاب سوريا واليمن. أما أعداؤه فيقولون إنه ديكتاتور مثل السيسي ويريد التحول لرجل ليبيا القوي، على طريقة الديكتاتور السابق معمر القذافي. وليس غريبا أن يحتفي الإعلام المصري بحفتر وعمليته الأخيرة ضد العاصمة طرابلس لأنه النسخة الليبية للديكتاتور المصري. وتجاهل إعلام مصر في الوقت نفسه الانتفاضتين السودانية والجزائرية التي أطاحت بزعيم تمترس بالحكم على مدى 30 عاما وخلف وراءه بلدا منها وآخر عجوزا لا يستطيع الكلام تربع على عرش الجزائر 20 عاما.

دروس الربيع العربي

وتعطي المقارنة بين الجزائر والسودان من جهة وليبيا من جهة أخرى صورة أن الربيع العربي لم ينته ولا تزال النخب والجماهير تتصارع حول طبيعة الحكم المنشود، الوضع القائم كما تريده دول الخليج والديكتاتوريات باسم تجنب ويلات ليبيا واليمن وسوريا أو الخيار الديمقراطي مهما كانت صورته الآن، أي بدون رتوش ومثاليات ولهذا يتساءل الجميع عن التالي في السودان والجزائر. فقد اكتشف المتظاهرون في هذين البلدين أن الأعداد الحاشدة لا تكفي لتغيير النظام وإن أطاحت برأسه.

لماذا الآن؟

وفي المعنى الليبي ثارت أسئلة حول حفتر ونواياه من الهجوم الذي شنه على العاصمة طرابلس في 4 نيسان (إبريل) فهو الذي يسيطر على البلاد ويحظى بدعم من حكومة الشرق وقاد حملة في الجنوب قرر أثناء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة شن عملية عسكرية ضد حكومة الوفاق التي يدعمها المجتمع الدولي. وحاول أنطونيو غويتريش اقناعه بوقف التحرك بدون جدوى. وأهين الأمين العام لأنه جاء بالضرورة لترتيب مؤتمر المصالحة الوطنية الذي كان حفتر سيشارك فيه وترك البلاد مثقل القلب حزينا كما كتب. ولم ينجح حتى سفراء 13 دولة في اقناعه بعدم الهجوم. وعليه طرحت أسئلة حول الدعم الخارجي الذي يحظى به وإن كان الجنرال فهم خطأ الرسائل التي تلقاها من داعميه الإقليميين والدوليين. وفي الهجوم على العاصمة الذي لم يسر حسب الخطة ولقي مقاومة من القوات الموالية لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، جرى الحديث عن دعم سعودي-إماراتي مصري للجنرال. وفي تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” (12/4/2019) نقلت فيه عن مصادر سعودية قولها إن السعودية وعدت حفتر بالملايين لتمويل عمليته ضد العاصمة والتي جاءت قبل أيام من المحاولات الدولية لتوحيد البلاد. وقالت إن العرض جاء أثناء زيارة الجنرال إلى السعودية والتي كانت واحدة من اللقاءات التي أجراها حفتر بمسؤولين أجانب في الأسابيع التي سبقت العملية. وتشير الصحيفة إلى أن المواقف الأجنبية والاحتفاء بحفتر أدت لتعزيز مكانة “أمير الحرب”. وحسب جوناثان واينر، المبعوث الأمريكي السابق لليبيا: “اعتقدوا أنه يدعم العملية الدبلوماسية ولكنه اعتقد أنه كان يبني قوته”.  وأضاف الباحث ولفرام لاتشر، الخبير في ليبيا بالمعهد الألماني لشؤون الأمن الدولي: “لم يكن حفتر قادرا على لعب الدور الذي يلعبه اليوم بدون دعم أجنبي” و “شهدت الأشهر القليلة الماضية ركوب الجميع في قطار حفتر”. وكان الجنرال زار في 27 آذار (مارس) الرياض والتقى الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان إلى جانب وزير الداخلية ومدير الاستخبارات. وحظي حفتر بدعم من دول أخرى رأت فيه حاجزا ضد الإسلام السياسي. وقدمت له الإمارات ومصر غطاء جويا حسب لجنة في الأمم المتحدة. ويقول الأمريكيون أن روسيا أرسلت أسلحة ومستشارين إلى ليبيا. ومع أن واشنطن دعمت منافسي حفتر إلا أنها لم تستبعد أن يلعب دورا في مستقبل ليبيا. واتصل به مستشار الأمن القومي جون بولتون قبل أيام من الهجوم وطالبه بالتوقف عن الهجوم حسب مسؤولين بارزين في الإدارة. وقال مسؤول “أعتقد أنه بدأ الهجوم عندما تحدث معه بولتون”. وبعد الهجوم ردت واشنطن بالشجب حيث قال مايك بومبيو “لا حل عسكريا للنزاع”. وانتعشت آمال حفتر بالدعم الأجنبي، ففي عام 2016 أرسلت فرنسا قوات خاصة لمحاربة الإسلاميين في مدينة بنغازي إلى جانب قوات حفتر. وأرسلت روسيا حاملة طائرات إلى البحر المتوسط عام 2017 في إشارة للدعم. ويرى المراقبون أن حفتر فسر الدعم الدولي المتزايد له على أنه دليل للشرعية. وكما يقول لاتشر “حفتر لا يريد أن يكون جزءا من الحل ولكنه يريد أن يكون الحل”.

لوم الخليج

وأثار الهجوم قلق الدول الغربية التي ترعى العملية السلمية وتريده في الوقت نفسه جزءا من العملية السلمية. ففي تقرير لصحيفة “الغارديان”(9/4/2019) أشارت فيه لقلق المسؤولين البريطانيين من التطورات الليبية وتحميلهم حلفاء بريطانيا في الخليج مسؤوليتها. وحسب أبحاثها وكذا تحقيق لجنة في الأمم المتحدة فإن الإمارات العربية المتحدة هي أكبر داعم لحفتر على أمل تقديمه قيادة معادية للجهاديين. وكانت الحكومة البريطانية قد نشرت العام الماضي تقييمها حول ما حدث خطأ في ليبيا وتوصلت إلى أن “أكبر رصيد لحفتر هو الدعم العسكري والمالي والسياسي الذي حظي به من الإمارات العربية المتحدة ومصر والذي فاق أي دعم لقيه أي من اللاعبين على الساحة الليبية”. ووجدت تقارير أممية للجنة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا أن الإمارات مصر قدمتا السلاح لحفتر وبدرجة أقل زودت كل من قطر وتركيا بالسلاح حكومة الوفاق الوطني الليبية التي تدعمها الأمم المتحدة. وفرض حظر تصدير السلاح إلى ليبيا عام 2011 ثم شدد في عام 2014. وكشفت لقطات مصورة لهجوم حفتر الأخير أن قواته حصلت على عشرات العربات المصفحة والتي قدمتها الإمارات له. وتم تحديث قاعدة الخادم في بلدة المرج التي يعمل منها حفتر بدعم مالي من الإمارات.

وترى الصحيفة أن قلة في حكومة الوفاق الوطني تشك في دور الإمارات الداعم للعملية الأخيرة وأن هذا هو الخيار المفضل لحل الانقسام الليبي.

وكما لاحظت صحيفة “نيويورك تايمز” (4/4/2019) فهجوم حفتر الأخير كان على ما يبدو رهانا لخلق انطباع بأنه رجل ليبيا القوي القادم بإمكانه أن يعقد صفقات مع المجموعات المسلحة حول طرابلس وضمه إلى قواته كما فعل بنجاح في مناطق أخرى. وتقول إن حفتر البالغ من العمر 75 عاما يشعر أن وقته يقصر ولهذا فهو على عجلة من أمره. وقال ولفرام لاتشر: “بالنسبة لحفتر، إما كل شيء أو لا شيء. إن هذه محاولة استيلاء على السلطة، ولكن إن فشل فسيمنى بهزيمة نكراء. ولن يستطيع ابقاء خطوط الإمداد”.

بدون إطلاق رصاصة

وتساءلت مجلة “فورين بوليسي” (10/4/2019) عن السبب الذي دعا حفتر للقيام بعملية محفوفة بالمخاطر بدلا من استثمار نجاحاته في الشرق والجنوب والسيطرة على العاصمة بدون أن يطلق رصاصة واحدة. فقبل الهجوم الذي شرد أكثر من ألفي شخص كان سيعترف به كقوة رئيسية في البلاد في مؤتمر المصالحة الوطنية الذي أجل. وتقول الصحيفة إن العملية لم تقم على حسابات عقلانية ولكنها متجذرة بأوهام العظمة والجنون. وكشف حفتر عن عدم اهتمامه بالوصول إلى السلطة عبر الانتخابات ولكن من خلال المعركة أو الخداع. ويوافق الدبلوماسيون والصحافيون الذين قابلوا الجنرال على هذه الرؤية. وقال جوناثان واينر، المبعوث الأمريكي السابق لليبيا: “خلال لقاء مع حفتر عام 2016 أخبرني الجنرال أن الساسة الليبيين لا قيمة لهم وأن البلاد ليست جاهزة لحكم نفسها”. وخرج واينر بانطباع أن حفتر ومقاتليه يرغبون بالقيام بعمليات عسكرية تكفي للقضاء على أي بديل عنهم. وتذكر صحافي آخر قابل حفتر عام 2015 في مقر قيادته بالمرج قول الجنرال إنه سيربح ليبيا ما بعد عام 2014 من خلال قتل الإسلاميين وليس من خلال وصوله إلى الرئاسة. وتقول المجلة إن حفتر تحول منذ سقوط القذافي من منبوذ إلى مرشح مهم للقيادة استقبلته العواصم الأوروبية ولكنه رمى كل شيء بهجومه على طرابلس. كان عليه التعلم من دروس درنة وبنغازي قبل إعلانه الحرب، فقد ظلت قواته تغوص في وحلهما لسنوات. وبالمقابل فرصيد حفتر يرتفع عندما يظهر كمدافع عن حقول النفط ومسهلا تصديره لا معرقلا له. وترى المجلة أن مقامرة حفتر أضعفت الدعم المحلي والدولي له وبدا كأمير حرب لا كقائد سياسي. وقالت إن استراتيجيته التي تبناها بعد سيطرته على بنغازي عام 2014 قامت على التقدم البطيء والسيطرة على المناطق نجحت حتى العام الماضي. ولكن إعلامه القوي والذي يشك البعض أن الروس دعموا حملته على وسائل التواصل الاجتماعي خلق انطباعا حول حتمية سيطرته على ليبيا. وربما شعر أن أهمية طرابلس الرمزية ستقوي من موقعه المتسيد لليبيا، لكنه تجاهل الثمن الباهظ وهو الدعم الدولي له. ووسط كل هذا ينسى العالم الشعب الليبي الذي كان من المفترض أن يكون أغنى شعب في العالم ولكن بلاده أصبحت كما قالت “إندبندنت” (9/4/2019) ساحة حرب بالوكالة بديلة لدول الخليج عن اليمن وسوريا يسقطون عليها القنابل، في وقت تنتظر فيه أمريكا من سيربح المعركة، وريث القذافي أم غيره. ولاحظ موقع “المونتيور” (9/4/2019) أن الإدارة الأمريكية وإن أصدرت تحذيراتها المعهودة إلا أنها تنتظر دورا أكبر لأمير الحرب في ليبيا، فرغم توقيعها على بيان يشجب عملية طرابلس إلا أن واشنطن تعتقد أن الخريطة العسكرية تتغير بسرعة. وقالت أليس هانت فريند، المسؤولة السابقة في البنتاغون أن أمريكا أبدت “براغماتية حقيقية في التسامح مع حفتر ولم تحاول منعه من أن يكون لاعبا مهما في المشهد”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية