العربية تلك اللغة الظالم اهلها

حجم الخط
0

نبيل بنعمرو

مما لا شك فيه أن اللغة العربية تمر بأزمة حقيقية، تكاد تكون أزمة وجود من حيث استعمالها وتداولها بين العامة والخاصة. فهي شبه مغيبة في التعاملات الإدارية، وهي كذلك محتقرة لدى العديد من المثقفين، أو بالأحرى محتقرة لدى أشباه المثقفين الذين أصبحت لديهم قناعة بأن التحدث باللغة العربية هو رديف للتخلف، وأن استعمال لغة أجنبية في الخطاب، وفي الأحاديث اليومية، يعبر عن مدى انتماء الشخص للعصر وللحداثة. والأدهى من هذا هو أن اللغة الأجنبية ( الفرنسية تحديدا بالنسبة للمغرب) هي اللغة الرسمية في المعاملات التجارية، وفي داخل الأسواق الممتازة، والمساحات الكبرى بين المستخدمين، والزبائن، وبين المستخدمين مع بعضهم، حتى أصبحنا نسمع النداءات المنبعثة من البوق داخل السوق الممتاز والموجهة للمستخدمين، والذين كلهم من اليد العاملة المغربية، تقال ـ حصريا ـ باللغة الفرنسية !فكيف يعقل أن تطلب مستخدمة، عبر مكبر الصوت داخل سوق ممتاز بالمغرب، (une femme de m’nage est demand’e au rayon) هل من المطلوب من عاملة النظافة معرفة اللغة الفرنسية لكي تشتغل بالنظافة؟يقول فهمي هويدي بعد زيارته للمغرب في الآونة الأخيرة: ( في كل مكان ذهبت إليه كنت أرجو ممن ألتقي بهم أن يحدثوني باللغة العربية. حدث ذلك في الفندق،والمطعم والسوق، والتاكسي، وصولا إلى شرطة المرور، والحمالين، الذين يتزاحمون في المطار. ولم يكن ذلك جديدا عليّ لأن فرنسة اللسان المغاربي كانت أهم إنجاز حققه الاحتلال، الذي سحب عساكره وترك لغته لكي تبقي الاحتلال وتكرسه). فعلا، كيف لنا أن نفسر لأنفسنا، قبل غيرنا، معنى أن تلقى خطب في مناسبات وطنية كعيد الاستقلال، بالفرنسية، لغة المستعمر إذا كان لا بد من التذكير بذلك؟ كيف لنا أن نستسيغ هذا الأمر واللغة هي مكون أساسي للهوية، وهي التي تصنع للشخص العالم الذي يعيش فيه، ويتفاعل معه؟ إننا عندما نشاهد آباء وأمهات في الشارع، وفي البيت، يتحدثون مع أبنائهم بالفرنسية، يلوكونها بين أفواههم، ويجاهدون أيما جهاد لإخراج الحروف على شاكلة أصحاب اللغة، يصبح التساؤل: ( من نحن؟)، و( من نكون)؟ سؤالا ً يشي بأن هناك ـ حتما ـ أزمة هوية نمر بها؟ هذا على الرغم من الغنى، والثراء الذي تحظى به العربية كلغة، كثقافة، كتمثّلات، وكوعاء حضاري.من ناحية أخرى، تعاني اللغة العربية على مستوى ‘قصورها البنيوي من مشكلة إنتاج المعرفة، وتوليدها، وترويجها على مستوى بني جلدتها، كما على المستوى العالمي’ ـ كما يرى الباحث المغربي يحيى اليحياوي. هذا القصور يتحمل وزره بالأساس المسؤولون عن إنتاج المعرفة من جامعيين، وباحثين، ومثقفين ـ بشكل عام ـ فتقاعس هؤلاء عن الكتابة، في الصحافة ـ مثلا ـ وفي ميادين مختلفة باللغة العربية، والاقتصار على لغة أجنبية، تولد في المجتمع شريحتان من القراء. فالقارئ للصحافة المحلية المكتوبة بالفرنسية ينمي ثقافة مهمة في مختلف ميادين المعرفة، والتقنية منها ـ على الخصوص ـ من طب، وهندسة، وإعلاميات، إلى غير ذلك من المجالات التي يسهل فيها على أهل الاختصاص الكتابة بالفرنسية، لأنهم درسوها كذلك. في حين نجد القارئ للصحافة المكتوبة بالعربية لا ينمي هذا النوع من الثقافة إلا لماما!السبب لأنه ـ ببساطة ـ لا يجد هذه المادة المعرفية فيما يطالعه من جرائد، ومجلات، وكتب…و هذا راجع لكون الكاتب المختص ـ في مجال علمي أو تقني ما ـ لا يكلف نفسه عناء تبسيط و تقديم هذه المعرفة باللغة العربية!لا يفوتنا هنا أن ننوه ببعض المقالات التي نصادفها هنا وهناك تيسر وتبسط بعض المفاهيم في مجال الطب، والمعلوميات، والإنترنت، وهي مكتوبة بالعربية، لكنها مع الأسف تبقى قليلة بالمقارنة لما يكتب بالفرنسية. سُئِل أحمد تيمور، عن قيمة التعلم باللغة الأم فأجاب :( إذا علّمت شخصا بلغته فقد نقلت العلم إلى تلك اللغة، أمّا إذا علّمته بلغة أخرى فإنّك لم تفعل شيئا سوى أن نقلت ذلك الشخص إليه)، وقال حافظ إبراهيم في رائعته ‘اللغة العربية تتحدث عن نفسها’:ووسعت كتاب الله لفظاً وغــايــة *** وما ضقت عن آيٍ به وعظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ***وتنسيق أسماءٍ لـمخـتـرعــات إننا لا يمكن أن نتوق إلى تنمية شاملة في مجتمعاتنا ما دام العلم، وما دامت التقنية لم يصبحا ثقافة من المفروض أن تكون بلغتنا العربية… هذا هو الرهان الحقيقي……………………..* أستاذ باحث في الإعلاميات ـ المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية