«مطلوب طول نفس وصبر»، كرر أمس بنيامين نتنياهو وموشيه يعلون أمام الجمهور، ولم يكن بوسعي سوى أن أتذكر أقوال ونستون تشرتشل النموذج المحبب على نتنياهو، بعد معركة العلمين، قبل 72 سنة: «هذه ليست النهاية، هذه حتى ليست بداية النهاية، ولكن ربما هذه نهاية البداية».
المسألة هي أن تشرتشل قاد كفاح العالم الحر ضد المانيا النازية، التي سيطرت على كل اوروبا، انقضت على الاتحاد السوفييتي وهددت بريطانيا. اما بوبي (بيبي وبوغي) فيتعاركان مع حماس. منظمة ارهابية عنيدة محاصرة في قطاع بري زهيد وتلذعهما من هناك بلسانها. وبدلا من ضرب هذه المنظمة على الفور في البداية، فانهما يجران دولة كاملة الى خمسة اسابيع من الحدث الغريب الذي باستثناء هدم الصيف، المس بشدة بالاقتصاد، التخريب الشديد للشرعية الدولة والقضم للسمعة التي حققتها اسرائيل على مدى عشرات السنين، لم يحقق شيئا.
كل العالم انتظر أمس، محبوس الانفاس، المؤتمر الصحافي للثنائي الذي يقود اسرائيل. ليس من أجل التعرف على وضع المفاوضات في مصر، ولا من أجل استيضاح ما الذي توشك اسرائيل على عمله في غزة (حتى لو خرج نتنياهو بنفسه على رأس الالوية في عملية برية في غزة، فان احدا لم يعد يصدقه). فقد توقع الجميع أن يسمع ما هو مصير محمد ضيف. حي، ميت، أم ربما مرة اخرى اصيب ونجا بجلدته. أما نتنياهو فلم يتناول المسألة. ولم يطلب من يعلون أن يتناولها. وكان للرجلين سبب وجه: فهما لا يعرفان حقا.
حتى اللحظة التي ظهر فيها نتنياهو ويعلون في القاعة التي انتظرهما فيها رجال الاعلام. تواصلت تقويمات الوضع وتدفق المعلومات من غزة. وحسب معلومات جهاز الامن العام، فقد كان ضيف في البيت الذي قصف. واثبتت الصور بان البيت أصبح ركاما من الغبار. في اسرائيل لم يغلقوا، صحيح حتى أمس ليلا، هذا الملف. من ناحيتهم، طالما لا توجد إشارة حياة من ضيف، فهناك احتمال ما بان يكون قتل، او مرة اخرى اصيب، في محاولة التصفية الخامسة. اذا ما نجا، يمكن لضيف أن ينافس لقب الناجي المتميز في العالم في كتاب «غينس» للارقام القياسية.
إذن لماذا عقد امس المؤتمر الصحافي؟ ففي كل المواضيع الجوهرية التي على جدول الاعمال لم يقل رئيس الوزراء ووزير الدفاع شيئا. لم يجددا شيئا. ذات العبارات، ذات الصبر وطول النفس، ذات المشاركة في أسى العائلات الثكلى. سؤال واحد (من عميت سيغال) دوخ نتنياهو (هل ستعود الى المفاوضات مع حماس في القاهرة؟)، إذ تبين له فجأة بانه يدير مفاوضات مع حماس. وفقد صوابه.
وعندها جاء الهجوم على وزراء الكابنيت. كان هذا هو السبب الحقيقي للاجتماع التلفزيوني أمس: حاجة نتنياهو للهجوم على وزراء الكابنيت، شركاءه، وتقديم خازوق علني وفظ لهم. يعلون سار وراءه. من أجل هذا صادرا أكثر من نصف ساعة تلفزيونية في وقت البث المركزي. ليس كي يجيبا على تهديد حماس بل كي يصطدما بالتهديد الخطير من ليبرمان، بينيت وتسيبي لفني ايضا. فبيبي لا يتدبر له جدا أن يكون قويا أمام حماس، ولكنه لا يمكنه أن يسمح لنفسه الا يكون قويا أمام نفتالي بينيت.
تعالوا نفكر في هذا للحظة: أي ضرر يلحقه باسرائيل تصريح أفيغدور ليبرمان في أن على اسرائيل ان تسقط حكم حماس في غزة؟ أي ضرر للامن القومي يلحقه رأي نفتالي بينيت في أنه يجب التوقف عن الحديث مع حماس والعمل عسكريا من أجل الحاق الهزيمة بها؟ اي ضرر للمصالح الوطنية الاسرائيلية يلحقه رأي تسيبي لفني في أنه لا يوجد ما يمكن الحديث فيه مع حماس؟
الجواب: لا ضرر. نتنياهو يذر الرماد في عيون الجمهور. الخلافات هي موضوع مشروع. يمكن النزول باللائمة على وزراء الكابنيت لو كانوا حاولوا دق العصي في عجلات حملة عسكرية متدحرجة، وقفوا ضد عملية جارية، مسوا بالوحدة وبالتراص حين يكون الجيش ينطلق الى الحاق الهزيمة بحماس. هم لم يفعلوا هذا. هم يحتجون على عجز وانعدام الوسيلة اللذين تظهرهما اسرائيل في الجرف الصامد. برأيي، هم يجلبون منفعة لاسرائيل. لماذا؟ لان ردعنا تلقى ضربة قاضية بعد تسريب العرض اياه، الى القناة 2، والذي عرضت فيه اثمان السيطرة على غزة. واتضح من العرض على نحو جلي بان ليس لاسرائيل خيار عسكري حقيقي لاسقاط حكم حماس. وقد سرب العرض (برأي الاغلبية المطلقة من وزراء الكابنيت من قبل رجال نتنياهو) عشية بدء المفاوضات في القاهرة.
فما العجب في أن حماس لا تبدي مرونة؟ فهي تعرف أن نتنياهو ويعلون لن يفعلا لها شيئا. وقد بدأت تشك في هذا عندما وصفت العملية البرية بوضوح كـ «عملية انفاق»، واقتنعت بهذا بعد تسريب العرض. وعليه، عندما يتبين بانه يوجد عدد غير قليل من الوزراء في الكابنيت ممن يفكرون بانه يجب بالفعل هزم حماس، فان الامر يحسن الاحتمال للوصول الى ترتيب، ولا يقلله. وعليه، فان هجوم نتنياهو على وزراء الكابنيت أمس كان زائدا وجاء لاغراض المناكفة فقط. بعد أن فهم الجميع بانه لن يكون قويا امام حماس، يحاول نتنياهو الان أن يكون قويا ضد نفتالي وأفيغدور.
معاريف 21/8/2014
بن كسبيت