انتهت حملة الانتخابات، وكل من له ذاكرة قصيرة أو يكره اليمين يقول إنه لم يسبق أن كانت حملة قذرة كهذه. هراء. هؤلاء نوع من شيوخ لا يتذكرون الحر/البرد/أسعار كهذه في المئة سنة الأخيرة.
نسوا فريات الدم، والضربات، والبندورة، بيغن الهتلري سيدفع بالدبابات نحو الكنيست، بدون حيروت وماكي. رابين خائن. شارون قاتل. كل هذه كانت أسوأ من الإعلانات، وبيبي فاسد وخائن ومحرض ومقسم ومخرب للديمقراطية ومروج للدكتاتورية، وغانتس يساري مختل عقلياً ومن يدري ما كان في هاتفه.
أما الآن، حين انتهت هذه القذارة ـ يبدأ التلوث الحقيقي. فالرشوة التي يتهم بها نتنياهو ـ بضعة آلاف السجائر الفاخرة، وبضعة براميل من الشمبانيا، وتغطية عاطفة مقابل مليار لالوفيتش وغيرها من الصغائر ـ ليست شيئاً، وصفراً مقارنة بالفساد القانوني جداً، الرشوة السياسية التي يعتزم نتنياهو دفعها لعناصر الائتلاف. بالضبط مثلما فعل بن غوريون، واشكول، وغولدا، ورابين، بيغن، وشامير، وباراك، وشارون، واولمرت. من اليمين ومن اليسار. كلهم دفعوا رشوة سياسية بقيمة متراكمة من مئات المليارات، كي تدعمهم الأحزاب الأعضاء في الائتلاف. وليس بالمال الحقيقي للكيبوتسات فقط، لمشاريع الهستدروت، للمدارس الدينية أو للمستوطنات ـ وهذا هو المقطع الصغير من الرشوة ـ بل بالتعيينات لمناصب الوزراء وإيداع مصادر قوة ومال ضخمة في أيدي الأحزاب.
ولما كنا اجتزنا عهود البراءة (قلة من بين القراء هم أبناء أقل من ثلاث سنوات)، ولما كنا نعرف بأن ساندريلا والأمير الصغير لا يعيشان إلا في الأساطير، فلم نعد نؤمن بأن وزير الجسور والسدود، التي يقيمها إن لم يكن هناك نهر في المحيط، لا يفعل ذلك فقط لرفاهية الجمهور ولا من أجل تعظيم اسمه وضمان تقدمه في المستقبل. وهكذا هي الأمور أيضاً بالنسبة لوزير شؤون كرة القدم والباليه الكلاسيكي، ووزيرة حقوق الناجين من برامج الواقعية التلفزيونية، ووزير الهوايات، ونائب وزير المشروبات الغازية، ورئيس السلطة الوطنية لمنع الحمضيات.
وعليه، فإني أرفق قائمة مطالب قصيرة موجهة لزعماء أحزاب اليمين الذين يتعلق نتنياهو بتأييدهم كي يشكل حكومة، ولكي يربح شعب إسرائيل شيئاً ما حقاً من الحكومة التي تهل علينا بالخير.
بعد أن تنتهوا من البحث في قائمة الحقائب التي تريدونها، ساوموا، أبدوا مرونة ومسؤولية وطنية ولا تسجلوا المفاوضات على كبريائكم ومكانتكم ـ تعالوا مع طلب أساس: لبلاد إسرائيل وبلداتها.
صفقة القرن لترامب تكمن لنا خلف الباب. حتى لو تأخرت، فلا بد ستأتي. لا أدرى ما يوجد فيها، ولكن يمكن الافتراض بأنه سيكون للسفارة في القدس، وللعقوبات ضد إيران وللجولان ثمن، ومن شأنه أن يكون الطلب للاعتراف بسيادة فلسطينية وبمكانة في شرقي القدس. سيسرني جداً أن يخيب ظني. ولكن إذا ما جاء طلب كهذا، محظور الموافقة عليه حتى وإن كانت هذه موافقة تكتيكية، متحفظة، وحتى وإن كانت فقط من أجل كسب الوقت إلى أن يصرخ أبو مازن أولاً «لا!». ثمة أمور محظور الموافقة عليها مبدئياً، وذلك حتى لو كان ترامب يحبنا أكثر مما يحب نفسه ـ بعده قد يأتي رئيس آخر ويطالب بصرف السند. وعليه، ففي الخطوط الأساس للحكومة يجب أن يخط رفض لكل سيادة غريبة غرب نهر الأردن وإحلال سيادة إسرائيل في يهودا والسامرة.
ولكن، كما أسلفنا، لم نعد أبرياء. بشكل لا مفر منه قد يوقع نتنياهو على مثل هذا الطلب، ولكن إذا أراد، أو اضطر إلى الموافقة على دولة فلسطينية، سيكون بوسعه أن ينتهك تعهده، وعندها سيقيم حكومة وحدة مع غانتس. هذا سيوافق «من أجل السلام» بالطبع، أن يجلس مع نتنياهو في حكومة واحدة، أو قد يؤيد الانسحاب من الخارج. فهكذا بالضبط تصرف زعيم الليكود شارون في فك الارتباط.
وهنا تكمن القصة التي هي العنصر السري في كل طبخة سياسية حقيقية ـ يجب طرح شرط لا يمكن لأزرق أبيض وأحزاب اليسار أن تلتزم به، حتى لو كانت تتوق للانسحاب من المناطق وتتمنى الدولة الفلسطينية. على الموالين لبلاد إسرائيل أن يتعهدوا بإبقاء نتنياهو رئيساً للوزراء حتى بعد رفع لائحة اتهام، بل وحتى في أثناء المحاكمة. ولكن عليه أن يعرف بأنه في اليوم الذي يوافق فيه على سيادة فلسطينية، سيفقد تأييدهم لحصانته وسيشق طريقه إلى السجن.
ابتزاز بالتهديد؟ صحيح، ولكن على من، على الطاولة. هل هذا تهكم مستعد للتسليم بالفساد؟ بالضبط. مناورة نتنة؟ جداً. هذه تسمى سياسة. حان الوقت لأن يعرف اليمين الأيديولوجي أيضاً كيف يلعب هذه اللعبة.
البروفيسور آريه الداد
معاريف 16/4/2019