■ بداية اعتذر منك وأخاطبك بضمير المتكلم المفرد، لأني لا اعتقد كثيرا في المناصب والألقاب التي كرستها تجربة الحكم العربي الاستبدادي، من طبيعة هذا الحكم أن شوّه الوظائف والأغراض والمعاني التي تنطوي عليها المؤسسات والألقاب التي تخلع على الأشخاص.
ما اعترف به لك هو شهادتك الجامعية التي حزْتها عن جهد ذاتي وعن علم خالص لوجه الجامعة والبحث الأكاديمي. كما أعتقد أن أفضل طريقة لمخاطبة الأشخاص بصدق، أن نفعل ذلك بصيغة ضمير المتكلم المفرد، الذي يضعهم في مكانتهم الحقيقة وينزلهم عند موضعهم المناسب لهم بدون تكَلُّف أو مخاتلة.
مناسبة حديثي إليك هو دورك كشيخ الأزهر في الانقلاب والسعي المتواصل إلى تكريسه كإنجاز لحكم العسكر، الذي احتاج إليك لتبرير الانقلاب وإضفاء الشرعية الدينية له. فعندما استعانت الطغمة العسكرية الفاشية بالأزهر، فعلت ذلك لأن وظيفته، كما يريدها، هي المصادقة على الانقلاب بختم الله، وأن أعرف جهة تدرك ما يريده الله هي الأزهر، ممثلة في شخصك الذي يحمل شهادة جامعية في العلوم الشرعية، نعم العلوم الشرعية، أي فن وتقنية صناعة الحكم الشرعي على كل الحالات، مهما كانت معقدة مخالفة للبداهة ومعهود الناس في حياتهم ومعاشهم، مثل الانقلاب والإبادة الجماعية والفساد المطلق للقضاء والإعـــلام، لكن المنصـــب الذي اســـند إليك كشيخ الأزهر يكيف كل هذه الحـــالات ويضعها ضمن ما يرضي الله، فقـــط، لأنك شيخ الأزهر المؤسسة التي عصمتها السلــــطة العسكرية من الزلل والخطأ، والمؤذون لها أن تنقل مصادقة الله على ما يريده الانقلابيون ومباركة سعيهم.
نعم، وظيفتك كشيخ الأزهر أن تتحدث وتشتغل على الدين بالقدر الذي تطمئن فيه أن الله قد رضي على تصرف الحاكم المستبد. فشيخ الأزهر بما له من علوم وفنون وحيل شرعية، هو أقرب من يستأهل منصبه، كما حددته السلطة التي لا ترى في لغة الدين إلا لغة تبرير أعمالها، وإن الوسيط اللائق هو شيخ الأزهر حامل أختام الله في هذه الدنيا. ولهذا، كما سبق وأطلعتك لا اعتقد ولا أؤمن كثيرا بالألقاب والمناصب التي أفرغت من معانيها وعناوينها من قبل السلطة المستبدة. واليوم بعد مرور أكثر من عام كامل على مجزرة «رابعة» و»النهضة»، وما تلاها من إعدام جماعي «شرعي» للآلاف من المصريين، تم بالتقسيط والتأجيل، عليك أن تقرأ كل ما جرى في مصر في تفاصيل حياتها، وأنت جالس تنظر وتتأمل الصورة التي التقطت لك مع الهيئة الانقلابية. هل فعلا كنت معهم؟ وأي رجل دين استطاع أن يتحمّل ذلك ويعاند مع سبق الإصرار بأنه كان موجودا معهم. إذا كنت ألح على السؤال، والتمس منك التأكد ما إذا كنت فعلا معهم، فلإن هناك جهة حقوقية إنسانية وموضوعية، تتحلّى بقدر كبير من الحياد والاحترافية هي، منظمة هيومان رايتس ووتش، التي أصدرت تقريرها حول أحداث «رابعة» و«النهضة» وانتهت إلى أن النظام الانقلابي الذي ساندته أنت، قام بمجازر حرب ضد الإنسانية، وحدد الأشخاص العشرة الذين يجب محاسبتهم على الفور، في انتظار ما يسفر عن المحاكمة ليمتد رواق الجريمة الكبرى إلى باقي الانقلابيين من بينهم أنت.
نعم، تستطيع، كل ما عنّت المناسبة، أن تتقدم ببعض الرسائل والخطابات تستنكر أو تنبذ فيها بعض تصرفات التي يرتكبها النظام الانقلابي، لكن تفعل ذلك كعضـــو أصيل في الهيئة الانقلابية، أي بالقدر الذي لا يتعدّى الغرض الرئيس للانقلاب، وهو الاستثمار في خلق الإرهاب ودواعيه ومحاربته، ودورك في هذا المجال دور أصيل وأساسي ومهم.
العنف والإرهاب وإزهاق الأرواح، هي عناوين ولافتات إسلامية في هذا الزمن الرديء في حياة المسلمين والعرب، أفضل جهة تستطيع أن تفتي بالشرعية هي دائما شيخ الأزهر، المستشار الديني للهيئة الانقلابية.
عندما هممت بالتوجه إليك بهذه الرسالة، فعلت ذلك فور قراءتي لما جاء في تقرير «مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر»، لحظتها بادرني تساؤل محيّر فعلا، قلما نال حقه من العناية: كيف لمنظمة إنسانية، حقوقية، أن تكشف الحقيقة وتصـــدع بالحق، لم تعوّل في ذلك إلا على هاجس العـــثور على معطيات موضوعية وواقعية، تشفع بها ما تنتهي إليه من خلاصة وتوصيات، بينما يخفــــق شيخ الأزهر حافظ كتاب الله، وحامل أختامه في الوقـــوف على حقيقة الانقلاب ومسايرته في كل تداعياته ومضاعفاته.
عندما استنَدْتَ إلى كتاب الله لكي تؤيد وتسوِّغ شرعية الانقلاب عدت إلى النص المكتوب في آيات المصحف، بينما رجعت المنظمة الإنسانية في تقريرها وأحكامها واستندت إلى كتاب الله المفتوح على دنيا الناس في كل حقولها ومظاهرها، وهذا هو معنى كلام الله في الكون والدنيا، وأن آياته هي روائع هذا العالم، عندما تكشف للناس للوقوف على حقائقها. ففي حيلك الفقهية وخطابك الديني إمكانية لتبرير الانقلاب السياسي، لأن هذه الحالة غير واردة في المصحف الكريم، وعندما يتم الانقلاب على نظام شرعي وديمقراطي يمكن تسويغ ذلك بأن الديمقراطية لم ترد أيضا في كلام الله، وقل الأمر نفسه على الجرائم ضد الإنسانية والإعدام الجماعي. فما تحفظه من كلام الله تحفظه بشكل مطلق لا يجوز أن تخطئ فيه، وأنك ولي الله الذي يستند إلى قدرة خارقة لا يمكن أن تخذل صاحبها مهما تصرفت وعملت خارج الأطر والمفاهيم المتعارف عليها، التي استقر عليه الوعي الإنساني.
نعم، لأنك مختص في كتاب الله وتستند إليه كمكَلَّف من العناية الإلهية لإسباغ الأوصاف الشرعية على تصرف السلطة الانقلابية، فقط لأن مفردات ومصطلحات الخطاب الانقلابي لا يوجد ما يعادله في المدونة التشريعية التي تستند إليها وتحيل إلى ما تعتقد أنه صحيح وسليم في حكم العسكر. عندما يكون الأمر كذلك لا يمكن أن ينتظر منك الاعتذار والاعتراف بخطأ، ولا طلب المغفرة من أهل الدنيا، بل الصلاة والدعاء إلى الله لأنك تحمل وتحفظ كتابه ولا يعنيك من أخطأت في حقهم من أهل الدنيا، حتى لو كان الجرم عظيما وجللا، كما جاء في التقريرالأخير لمنظمة هيومان رايتس ووتش، الذي يؤكد لكل العالم أنك وقفت وناصرت هيئة الإجرام الأولى في العالم لأنها خطفت رقما قياسا لم يسبق له مثيل: فقد ارتكبت مجزرة مروّعة قتلت فيها ما يناهز الألف شخصا في يوم واحد.
عندما تُعَلِّق ضميرك على الله، لأن الحساب يتم في الآخرة ولا يعنيك أمر الدنيا، لا يمكنك أن تشعر بتكبيت ولا تأنيب لأنك «الموظف» المقرب إلى الله، ويملك حصانة في هذه الدنيا، وهذا هو دورك في النظام الانقلابي، أي يجب أن لا تأخذك لا رحمة ولا شفقة، وأن تواصل مهمتك إلى آخرها ولا تلتفت إلى المآسي والمحن وما ينزله الانقلاب على المصريين، لأن هذه ضريبة لا بد أن تدفع إلى أن يتعود المجتمع على الأمر الواقع المأساوي ويتعاطى معه كأمر حصل وانتهى. أما الذين يعلقون ما يفعلون على الدنيا فهم الذين تهجع قلوبهم وضمائرهم وتتحرك سريرتهم ويبادرون بالجلوس على كرسي الاعتراف أو يندمون على ما ارتكبوا في حق الآخرين، أو يعتذرون عن مواصلة طريق الانقلاب، عندما يتبيّن لهم أن سياسة الانقلاب وصلت حد ارتكاب المجازر، وأنها تمعن في المزيد، كما فعل زميلك في الهيئة التأسيسية للانقلاب الدكتور محمد البرادعي، الذي قدر ضراوة الجرم بمعايير الدنيا، ومن وحي جائزة السلام التي وخزته بالابتعاد عن الجريمة وعن الدم. بينما أنت، لأنك تحمل كتاب الله فهو الذي يؤكد لك أنك على صواب ولا يدعوك إطلاقا إلى التراجع والاعتذار.
٭ كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو