إسطنبول ـ «القدس العربي»: تتواصل لليوم الثاني على التوالي اجتماعات الدورة الرابعة للجمعية العمومية للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في مدينة اسطنبول التركية، بحضور عدد كبير من العلماء المسلمين من شتى أنحاء العالم على رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد.
واجمع المتحدثون في الجلسة الافتتاحية للاجتماع، مساء الأربعاء، على أن التفرق والتشرذم الداخلي هو أخطر ما يواجه الأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة، معتبرين أن الكثير من الجهات تقود حملة منظمة لتشويه صورة الإسلام في العالم.
رئيس الاتحاد الشيخ يوسف القرضاوي أكد على أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين «لا يعادي أحداً إلا أعداء الله الذين يحاربون الأمة»، داعياً الأمة الإسلامية إلى دعم الاتحاد، ومشدداً على أن الاتحاد لم يأت من أجل «خدمة بلد معين أو حزب معين».
وقال القرضاوي الذي استعرض انجازات الاتحاد: «الاتحاد بات يشكل مؤسسة عالمية، واصبح له في كل بلد ممثلين، وهناك كثير ممن يود الانضمام إليه»، مضيفاً: «الاتحاد بات مؤسسة لا يمكن كسرها وإبعادها، فأضحت أمرا واقعا حقيقيا لا يمكن تقسيمها، ومن يحلم بهذا فهو واهم، وهذا الاتحاد لم يقم من أجل دنيا، حيث لم يكن هاجس القائمين سوى الاسلام، وهدفهم إنشاء مجلس عالمي كبير للأمة من العلماء، يفكرون من اجل المسلمين وهذا ما يريده الله».
وتابع: «الإسلام يكره الجهل، ويحب العلم بأي نوع كان، ليس فقط العلم الديني بل علوم الدنيا، ولا بد من وجود العالم الديني، والأمير القوي المنفذ، من أجل قوة الأمة، حيث كان من أهداف الاتحاد ايجاد مجموعة من العلماء، للقيام بأمور الأمة من إصلاح الفرد، والإسلام يربي المسلم على الشعور بالأمة الوسط التي اخرجت للناس»، مؤكداً على ضرورة إشراك المرأة في كافة مجالات الحياة، وطالب بتوظيف «كافة الإمكانيات لإعداد الأجيال المقبلة للنهوض بالأمة، كل بدوره وان كان صغيرا».
وأكدت العديد من الكلمات الافتتاحية في الاجتماعية الذي يعقد برعاية الحكومة التركية على أهمية دور العلماء في توعية الأمة الإسلامية، وعلى تعزيز روابط المسلمين مع بعضهم البعض، ونبذ الخلافات، مركزة على المآسي التي يعاني منها العالم الإسلامي.
من جانبه، اعتبر الأمين العام للاتحاد، الشيخ علي القره داغي، بأن «أخطر تحدي يواجه الأمة الإسلامية، هو تحدي الداخل من التفرق، والتمزق والتشرذم الذي اصاب الأمة، حيث قضى أعداؤها على السلطنة العثمانية، وبعد قرن من ذلك تستمر المخططات بضرب السنة بالشيعة، ليكون الرابح الوحيد هو أعداء الأمة»، على حد تعبيره.
وأضاف: «لم يكتفوا بذلك، بل يتم ضرب السني بالسني، من خلال المتشددين والمنحرفين في سوريا والعراق، مما شوه صورة الإسلام وأبعده عن دوره الحضاري، وبعد فشل العديد من المخططات، ذهبوا إلى محاربة المسلمين بالمسلمين»، مشيراً إلى أنه في هذه الظروف يأتي «دور أولي الأمر من العلماء، فإذا صلحوا صلحت الأمة، وان فشلوا فشلت الأمة».
وفيما يخص الاتحاد، قال داغي: «الاتحاد ليس مجرد بيانات، وإنما كيان فعال، يكرس كل جهوده لهذه الأمة، لأن الجميع شركاء في هذه الأرض، كما أن الاتحاد ليس ضد أي أحد من المسلمين، إلا الأعداء منهم»، كاشفا أن «الاتحاد ضد أعداء الدين والمخططات والمشاريع التي تمزق الأمة، وضد العدوان والظلم، ويدعو لمقاومته بالموعظة وبالحوار الحسن، كما أمر الله بذلك، فضلا عن الإصلاح بين الناس، وبذل كافة الجهود لوحدة الأمة الإسلامية، والعمل على نبذ الفرقة والاختلاف».
ولفت إلى أن الاتحاد «يدعو إلى تطبيق قاعدة التعاون فيما اتفق عليه المسلمون، والتسامح فيما اختلفوا فيه»، موضحا أن «اجتماعات الدورة الرابعة للجمعية العمومية ستتناول دور العلماء في تحرير فلسطين، وقضايا أخرى حيث امتد الاعداد فترة ٦ اشهر»، معتبراً أن «واقع الحال الأليم للعالم الإسلامي يدل على أن علماء الأمة، لا يقومون بحق شهادتهم على الناس وعلى أنفسهم وأمتهم، فمنذ أكثر من قرن والعالم الإسلامي يعاني التمزق والفرقة والتشتت، وهذا حال لم يمر على الأمة الإسلامية حال مثله في الضعف والتخلف، عن ركب المدنية العالمية».
ونفى أن يكون العدوان الخارجي هو السبب الوحيد لحال الأمة، لأنه «لولا الضعف الداخلي لما تمكن العدوان الخارجي من الانتصار، وهذا الضعف ليس وليد هذا العصر، وأنه في قسط مهم منه يرجع إلى تراكم الماضي والتراث».
وركز على أن «الاختلاف بين العلماء في الحاضر، هو أكثر ضرراً وشراً على الأمة من الاختلاف الذي كان بينهم في الماضي، حتى أصبح العلماء أو أشباه العلماء في الحاضر، من أهم أسباب الضعف والفرقة بين المسلمين»، منتقداً «العلماء الذين باعوا أنفسهم وضمائرهم للسلطة والسلطان، وأصبح علمهم وعمائمهم أدوات بيد السلطان الظالم، والحاكم المستبد، والانقلابي الدموي، الذين يباركون له ظلمه وإجرامه وسفكه للدماء البريئة، فهم أكثر شراً من الحاكم الظالم، وأكثر تفريطاً بحقوق الأمة من الانقلابي السفاح، لأنهم يبيعون دينهم بدنياهم»، على حد تعبيره.
وأضاف أيضا: «وما أكثر ألماً ومأساة أن يكون هؤلاء العلماء، يرأسون مؤسسات دينية عريقة في التاريخ الإسلامي، ويجلسون على منابر الجوامع والجامعات الإسلامية العريقة، مستغلين المناصب الدينية التي يعتلونها في فتنة الأمة أكثر»، في إشارة غير مباشرة للأزهر الشريف في مصر.
واعتبر غورماز أن «الخطر الذي يهدد الإسلام وأهله أصبح مصدره في الغالب بيد المسلمين، وهذا ما ينبغي الاعتراف به والعمل على معالجته، فقتل المسلمين لبعضهم بعضاً، لم يظهر له مثيل في التاريخ الإسلامي، كما هو حاصل في الوقت الحالي، في العراق وسوريا ومصر والصومال وليبيا وباكستان ولبنان واليمن وأفغانستان وغيرها»، داعياً إلى إعادة النظر بالمنهاج التعليمية.
في السياق ذاته دعا زعيم حركة النهضة التونسية، الشيخ راشد الغنوشي، إلى تمثل الوسطية، ونبذ مناهج التشدد والتكفير، و»أن تتسع صدور المسلمين للاختلاف والتعدد، ونبذ الإقصاء، واللجوء للعنف والسلاح لحل الخلافات»، مشدداً على ضرورة «البحث عن المصالح المشتركة بين المختلفين، كونه الطريق الوحيد لإصلاح الخلافات، على العلماء أن يكونوا في مقدمة هؤلاء».
ووجه رسالة للحكام في العالم الإسلامي، مذكرا إياهم بأن «الأصل في علاقاتهم هو التعاون على البر والتقوى والشورى، واحترام القانون والنصح، ولكن مواطن المسلمين بعيدة عن ذلك»، داعيا اياهم إلى «الإصلاح لأنه أقل كلفة من الثورة، والرسول يحث على الكلفة الأقل والأيسر».
ويرافق اجتماع الجمعية العمومية، انعقاد مؤتمر دور العلماء في النهوض بالأمة (تحديات الهوية)، حيث سيناقش عددا من المحاور، منها «دور العلماء في القضايا الفكرية وترسيخ منهج الوسطية والتجديد العلمي، ودور العلماء في الحفاظ على الهوية»، بالاضافة إلى «دور العلماء في قضية فلسطين والقدس، ودورهم في استثمارالإعلام لخدمة قضايا الأمة، وكذلك دورهم في ضبط الفتوى وترشيد الخطاب الإسلامي».
إسماعيل جمال