لا يكفي الرواية ذلك القدر القليل من الكراهية

حجم الخط
0

وُفِّق محمد بن محمد بأن يعيش إلى جانب الملك في قصره. ذاك كان امتيازا نادرا حظي به قليلون، كان من بينهم ساهر مغني الملك وعازفه، وطبيبه الدكتور مورا، والعراف بلال، ومعالج الأعشاب، وآخرون بينهم القزم بودا الذي لم يتوقف الراوي عن التذكير بسوء خلقه ونزعة الحسد فيه وكراهيته لمن حوله. هؤلاء المحيطون بالملك، الملازمينه على الدوام، إلى حدّ أن بُنيت بيوتهم بجوار قصره، أو حتى داخل حدود ذاك القصر، هم جماعة قديمة تعيش في زمن متأخّر. في مشاهد نقرأ وصفا لركوب الملك سيارته، أو انشغاله بالرد على مكالمة جاءته عبر هاتفه المحمول، كما عن وجود المصعد الذي ضغط اثنان من الحاشية على الزرّ الخطأ ما أوصلهم إلى الطبقة السفلية، حيث يقيم الحريم. هما زمنان متداخلان في الرواية إذن: زمن الملوك السابقين، ثم أيامنا المتأخرة هذه، أو أن الزمن الأول بينهما أبديّ سرمدي ولن تؤثّر فيه التحولات الجارية خارجه.
وهذا ما يجعل الرواية قريبة من استدعاء زمن حكائي قديم، لكننا مع ذلك نميل إلى الظن بأن الكاتب ماحي بينين ربما يلمح إلى ملكٍ ما زال حاكما ومستويا على عرشه، لكن ذلك الظن لن يستمرّ، إذ يتبيّن أن لا ملامح ولا صفات لملك الرواية، ولا أوصاف من أي نوع للشعب الذي يحكمه. ذاك أن الرواية تبقى في القصر ولا تبارحه أبدا. أما الملك فقريب من حاشيته إلى حدّ أنه أبكاهم جميعا عند مرضه. محمد بن محمد، بطل الرواية وراويتها، يجد الكراهية متفاعلة لدى أولئك الذين حول الملك، أو بعضهم، لكن ليس لدى الملك الذي أمضى النصف الثاني من الرواية متراوحا بين المرض والشفاء. وهذا الأخير، في واحدة من صحواته، قرّر أن يقود تظاهرة حاشدة لدفع الاستعمار إلى الخروج من بلده، وهذه إشارة إلى زمن ثانٍ تجري فيه الوقائع المرويّة: زمن التظاهر ضدّ الاستعمار، السابق بالطبع لظهور الهاتف المحمول.

هي رواية باردة إذن، حيث استعيض عن تأزم العلاقات بين أطرافها بجعلهم جميعا يتصرفون بحسب ما رُسمت شخصياتهم منذ الصفحات الأولى. وهي باردة أيضا بسبب مسالمتها، حيث لم يقف أحد من شخصياتها في وجه أحد.

يعرف محمد بن محمد، وكذلك الذين حوله، أن الملك شديد القسوة تجاه أعدائه، لكن يبقى هذا على هامش ما يقوم بينه وبين حاشيته من رفق ومودّة. إنه رجل طيّب، والرواية تستمر في جعله كذلك: حاكما عادلا في القصر، فيما هو طاغية خارجه، وليس هو، الملك، من تحمل الرواية دراما هذا الإزدواج في شخصه، إذ لم تعرّضه لمحنة أو لتأزم شخصيين، مثلما هو عمل الروايات عادة. الأزمة والمحنة هاتان هما من نصيب الراوي، محمد بن محمد، الذي كان ابنه الضابط في جيش الملك قد شارك في القيام بالانقلاب عليه. وقد اعتُقل الابن وأُخفي عن أهله في ظلام السجن، لكن هذه الواقعة لم تشطر أباه شطرين، كما ينبغي لها، ولم تضعه في أزمة وعي حيال أبوّته من جهة وولائه للملك من جهة ثانية. لم يجد نفسه مضطرا للاختيار، وهذا، لو حصل، كان سيساعد في إيصال الرواية إلى التأزم الذي يُغنيها.
استمر الأب إذن في خدمة الملك محتفظا نحوه بمشاعر المودة والولاء السابقين، ناسيا، بل ماحيا من ذهنه، عذاب ابنه في أقبية السجون، بذلك لم يعد لوجوده المعنى الذي يُعطى لأبطال الروايات، ولن يكون هو، تبعا لذلك، من تُختتم به الرواية، أي أنه تراجع من كونه بطلها نحو أن يكون راوية فقط. لكن الكاتب بينين، من ناحية أخرى، وجد طريقة لشحن تلك الخاتمة بالدرامية التي تحتاجها: أخرج الشاب من السجن مهشّما محطّما احتاجت أمه إلى إجهاد ذاكرتها لتعرف أنه هو، ابنها ذاك الذي يقف أمامها، رجلا عجوزا قليل الجسم لا يستطيع السير على قدميه، وقد تساقطت أسنانه كلها. لقد أُوكل أمر الجزء الأخير من الرواية إلى الأم، كما إلى الابن السجين، وبدا ذلك أشبه بالانحراف عن السياق الذي كانت الأحداث جارية فيه.
هي رواية باردة إذن، حيث استعيض عن تأزم العلاقات بين أطرافها بجعلهم جميعا يتصرفون بحسب ما رُسمت شخصياتهم منذ الصفحات الأولى. وهي باردة أيضا بسبب مسالمتها، حيث لم يقف أحد من شخصياتها في وجه أحد. فحتى الابن الذي خرج من سنوات سجنه الطويلة محطما مهشّما قال، في كلماته الأولى التي اســـتطاع نطقها، أنه غير ناقم على أحد، وأن السجن علّمه كيف يعفو.
رواية باردة وقد زاد في ذلك ضياعُها بين الزمنين: زمن الملوك السابق وزمن الهاتف المحمول. هذا ما أبقـــــاها خارج أيّ زمن متعيّن يمكن أن يظهر البشر فيه، كما هم، متصارعين متكارهين لا توقفهم عن ذلك طيبة قلوبهم.
*رواية ماحي بينين «مؤنس الملائكة» صدرت عن «دار نوفل» في 123 صفحة- 2019.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية