كيف أتتك كل هذه الشجاعة يا خليل، بطلقة واحدة – والعبارة لمحمود درويش- قضيت على كل الأسئلة المربكة ولغز اختلاط الأزمنة في ذاكرتك؟
أما خليل.. فهو الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي أطلق على نفسه النار ذات صباح بيروتي مشؤوم في يونيو/حزيران عام 1982، خليل حاوي برهافته الشعرية البالغة التي لم تتحمل مشهد الدبابات الإسرائيلية وهي تجتاح وتعربد في شوارع بيروت، بينما يتقاتل الداخل اللبناني وينقسم على ذاته بشكل انشطاري يصعب تصديقه، وتتراجع الأنظمة العربية التي بح صوته وهو يطالبها بتبني مشروع القومية العربية، وعدم التنصل من خطاباته المعرفية أو التنظيرية كحل ناجز ووحيد لكل متواليات الفشل والتخلف، التي منيت بها الأمة على مدار قرون وليس عقودا .
ساعتها كان المشهد – ولا يزال بالمناسبة – مرتبكا جدا
أنظمة حكم متراجعة ومتهاوية وقعت في فخ دعاوى السلام والتطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني، ومن لم يطبع من هذه الأنظمة علنا مارس التطبيع في الغرف الخلفية السرية، والجميع سواء من أعلن أو من أسرّ، كان يقدم فروض الطاعة والولاء لكل من سكن في البيت الأبيض، بذريعة أن تسعة وتسعون في المئة من قواعد اللعبة في يد أمريكا.
في الجانب الآخر من المشهد كانت – ولا تزال- التيارات الفكرية القومية واليسارية عاجزة عن أن تجد لها مساحة قدم في الشارع العربي، فظلت معزولة بين المقاهي الثقافية والندوات والمهاترات النظرية، التي لم تؤد إلى نتيجة ملموسة على أرض الواقع ولا أدت خطاباتها الأيديولوجية إلى تراكم كمي يفضي إلى تغير كيفي كما ادعت من قبل.
من عمق هذا المشهد المأساوي أيضا طفا على السطح يمين رجعي أتى مدعوما بقوة البترودلار، يمين رجعي تعامل مع القضية الفلسطينية بلعن المحتل الصهيوني فقط في صلواته ودعائه، بدون تقديم أي إطار للحل الآني والوقتي لهذا الصراع، فضلا عن إحالة نهاية الصراع العربي الإسرائيلي إلى نهاية ميتافيزيقية تعتمد على وجود مخلص سماوي يصنع مجزرة بين أبناء الديانات الآخرى عامة، واليهود خاصة في معركة تشترك فيها حتى قوى الطبيعة من شجر وحجر وبناء عليه تتم إحالة أوراق الصراع إلى ما لانهاية.
في خضم هذا المشهد الجنوني كان خليل حاوي يؤمن بقومية عروبية طوباية أكثر منها واقعية موطنها الأصلي رأسه فقط.
قومية عربية متوهمة ومتضخمة الذات ومتشظية في آن، لم يتم جمع شتاتها عبر مشروع هاضم لكل المتناقضات العربية العصية على الفهم، ولا نظام حكم على الأرض ناجح وفالح ويشار إليه كنموذج قومي عروبي يحتذى به .
كان يؤمن بقومية عربية شعاراتية مبنية على فكرة الدمج والتنميط لا التنوع والتعدد، داخل إطار الوحدة نفسه، وهو ما فعلته أوروبا لاحقا وبهدوء وبلا صخب دعائي كارثي.
هنا كان مكمن الأزمة الحاوية التي عجزت عن رؤية الثقوب الهائلة في بطن السفينة، والتي أدت بعد ذلك إلى انتحاره، فالأنظمة الحاكمة التي أتت مباشرة بعد التحرر من الاستعمار تمترست بانتهازية خلف واجهة القومية العربية، ومارست في الوقت عينه شيزوفرينيا سياسية واضحة من قمع سياسي للشعوب التي حكمتها، فاق في بعض الأحوال ما فعله المستعمر، الذي سبق أن ثارت عليه للأسباب نفسها، حتى أن بعض هذه الأنظمة أكلت في متوالية القمع آبائها الروحيين، حين وصلت لسدة الحكم واستفردت به فقد طورد ميشيل عفلق واغتيل صلاح الدين البيطار في باريس على يد الرفقاء القدامى لحزب البعث فرع ســــوريـــا، فضــــلا عن إعـــدام أنطــــوان ســـعادة من قبل وتسليمه إلى سلطات الاحتلال الفرنســـي بوشاية من رفاقه على أرجح الاقـــوال، إلى جانـــب فشل ملموس في ملفات الاقتصاد وأحـــوال معيشة الناس المباشرة، والاستغناء عن خطط التنمـــية الحقيقــــية بشعارات رنانة وتعليق فشلها الكارثي في الإدارة على مشجب الكيان الصهيوني الذي أصبح وجوده ضرورة ملحة في تبرير حالة القمع السياسي والفشل الاقتصادي.
ان يؤمن بقومية عربية شعاراتية مبنية على فكرة الدمج والتنميط لا التنوع والتعدد، داخل إطار الوحدة نفسه، وهو ما فعلته أوروبا لاحقا وبهدوء وبلا صخب دعائي كارثي.
الموجة التالية من خطاب القومية العربية لم تقدم على تبني خطاب مراجعاتي نقدي يصحح المسار ويمتلك الشجاعة بالاعتراف بالخطايا السابقة، وعليه يؤسس لمشروع جمعي جاد يتخذ من التراث الفكري لساطع الحصري وأنطوان سعادة وميشيل عفلق ومؤلفات محمد عابد الجابري الشديدة الأهمية في هذا الملف متكأ ينطلق منه ليتماس مع قيم الحداثة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمواطنة، ويبشر في الوقت ذاته بمظلة قومية حاوية لكل العرب توحد تحتها المواقف والرؤى السياسية، وتوزع من خلالها الثروات والخيرات والمقدرات بشكل عادل وفعال ومحقق.
ما حدث كان على العكس تماما فقد تبنى القوميون اللاحقون خطابات شديدة الشعبوية وفقيرة معرفيا، حتى أنها لم تكلف نفسها عناء الاطلاع على المجهودات الفكرية القليلة المنظرة للخطاب القومي، تبدى هذا الفقر المعرفي في تضاعيف ما يكتبون من نصوص صحافية، وما يلقون من أحاديث في منتديات عامة وخاصة، عمدت كلها إلى تأليه القيادات الحاكمة السابقة التي تبنت شعارات القومية العربية، ووصفتها بصفات هي نفسها لا تملك تصديقها لو بعثت حية تسعى من جديد، إلى جانب تخيلها لمشاريع وهمية غير منجزة لهذه الديكتاتوريات التاريخية، أو التهويل عن عظم مشروعات متوسطة القيمة ينجز العشرات مثلها بلا صخب دعائي في بلاد سعيدة بعيدة عنا، إلى جانب خطاب نرجسي متضخم الذات ظن يوما أن الجعجة خلف الميكروفونات كانت وقوفا حقيقيا أمام القوى الإمبريالية والاستعمارية العالمية، بينما على أرض الواقع نجحت هذه القوى في التلاعب بحرفية شديدة بكل الأنظمة التي رفعت لواء القومية، وعادت من جديد لتمص دماء الشعوب المسكينة المستكينة بعشرات الحجج والحيل.
أما عن قيم الحداثة والديمقراطية ومآلاتها فأغلب القوميين العرب ليسوا مؤيدين فقط للديكتاتوريات العربية فحسب، لكن لكل الديكتاتوريات العالمية حصريا وبالوكالة وبلا استثناء.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما دمنا بصدد تفكيك حالة خليل حاوي كحالة قومية عروبية طوباوية مستعصية، ما الذي دفعه في هذا الصباح البيروتي إلى حمل بندقية صيده وتوجيهها إلى رأسه؟ وهل تسربت بعض من هذه الملاحظات إلى عقله في لحظة كشف أخيرة فدفعته إلى إنهاء حياته؟
ليس ثمة إجابة فالرجل لم يترك ورقة قبيل انتحاره، تشير إلى الأسباب الجوهرية المباشرة لذلك، لكن مما لاشك فيه أن شاعرا ومفكرا بحجم خليل حاوي لو قدر له الحياة لتبنى بعد ذلك مشروعا مراجعتيا لقومية عربية لا تسقط في فخ التناقضات آنفة الذكر، خصوصا أنه لم يكن بخفة الوجوه المتصدرة المشهد القومي، ولم يكن كذلك منظرا عاجيا من المكاتب المغلقة، بل كان منخرطا بشكل عملى على أرض الواقع بصفته عضوا في منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك كان أستاذا في الجامعة الأمريكية، ما يجعله أحد الحالات القومية الفريدة تنظيريا وعمليا والتي كانت مؤهله لإعادة هيكلة المشروع القومي وتنقيته وتصحيح مساره، لكنها للأسف في لحظة جنونية قضت على نفسها بنفسها.
كاتب وإعلامي مصري