بعد لحظة من استكمال الاتفاق الذي أنهي أول أمس الإضراب عن الطعام لسجناء حماس في السجون الإسرائيلية، سارع الطرفان إلى تسويقه كإنجاز عظيم بالنسبة لهما. الحركة من أجل السجين في غزة باركت زعيم حماس في القطاع يحيى السنوار على نجاح المنظمة في المفاوضات. في وسائل الإعلام الإسرائيلية أغدقوا الثناء على تفهم وحكمة وصلابة من أجروا المفاوضات. يبدو أن الحقيقة بعيدة عن الروايتين المتناقضتين، كما وصفها مصدر أمني مجرب، بعد السنة المتوترة الأخيرة على حدود القطاع، الإنجاز الرئيسي هو أن إسرائيل وحماس صعدتا إلى شجرة المواجهة قبل يومين من الانتخابات في 9 نيسان، وكذلك تمكنتا من النزول عنها قبل يومين من ذكرى يوم السجين الفلسطيني التي تصادف اليوم.
بكلمات أخرى، الأزمة التي تطورت في السجون هددت بإعادة إشعال المواجهة على حدود القطاع. ولكن هذا الاشتعال تم إحباطه عشية الانتخابات. الآن تم التوصل إلى حل للأزمة، في توقيت منع أن تتحول التجمعات السنوية ليوم السجين في المناطق إلى مظاهرات تماهي عنيفة مع ضائقة السجناء.
الأزمة الحالية مع السجناء بدأت منتصف كانون الثاني الماضي حول «مشروع ريادي» صادق عليه وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان، لمصلحة السجون وهو تركيب أجهزة تشويش جديدة ضد استخدام الهواتف الخلوية في قسمين أمنيين مسجون فيهما سجناء حماس، سجن رامون وكتسعوت (أجهزة تشويش قديمة أقل فاعلية تم تركيبها قبل سنوات في سجن عوفر وفي القسم الذي يسجن فيه أحد أعضاء فتح الكبار، مروان البرغوثي، في سجن هداريم).
سجناء حماس بدأوا الرد باضطرابات عنيفة. في الشهر الماضي، طعن أحد سجناء حماس وأصاب سجانين في سجن كتسعوت. التوتر مع السجناء أثر بدوره أيضاً على التوتر على حدود القطاع، الذي أطلقت خلاله الصواريخ على منطقة دان ومنطقة الشارون مرتين في أحداث اتفق الطرفان على اعتبارها نتيجة خطأ من قبل الفلسطينيين. خطوة اردان ومصلحة السجون أرفقت بتحفظ الجيش الإسرائيلي ومكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق الذين تخوفوا من تأثير زائد على الوضع في غزة عشية الانتخابات.
عدد من الجهات في جهاز الأمن شككوا في ادعاءات مصلحة السجون والشاباك بأن السجناء في إسرائيل يشكلون خلية أساسية في توجيه الإرهاب في الضفة الغربية. حسب أقوالهم، ورغم حقيقة أن الهواتف الخلوية تم تهريبها خلال السنين إلى السجون، فإن الاتصال عبرها محدود نسبياً وتوجيه الإرهاب تم بالأساس بصورة مباشرة بين قادات حماس في القطاع والخلايا في الضفة، دون الحاجة إلى السجناء كوسطاء.
رئيس الحكومة نتنياهو أدرك أن النضال الخلوي لمصلحة السجون يمكن أن يشوش عليه هدوءه النسبي على حدود القطاع ويعرض للخطر نتائج الانتخابات. عشية سفره إلى روسيا في 4 نيسان أمر نتنياهو رؤساء أجهزة الأمن بذل كل ما مطلوب من أجل إنهاء الإضراب. إدارة الاتصالات خرجت من مسؤولية مصلحة السجون وتم تركيزها في أيدي الشاباك، إلى جانب تدخل مجلس الأمن القومي وبمشاركة مصر. مصادر فلسطينية في غزة قالت أمس إن رجال المخابرات المصرية كانوا نشيطين بصورة حثيثة في الاتصالات لإنهاء الإضراب. حسب أقوالهم، المصريون أجروا مؤخراً ثلاثة لقاءات مع كبار أعضاء حماس في القطاع حول ذلك.
في إسرائيل يوضحون أن المصريين تخوفوا أيضاً من أن إضراب السجناء الذي تركز حول موضوع هامشي في نظرهم سيعرض الاتصالات حول وقف إطلاق نار طويل المدى في القطاع للخطر. إنهاء الإضراب سيمكن الآن من التركيز على الهدف الرئيسي: اتفاق يتضمن وقفاً كاملاً لأعمال العنف من جانب حماس مقابل تسهيلات إسرائيلية ومصرية في الحصار على القطاع واستمرار تدفق كبير للأموال لإعادة إعمار البنى التحتية المتهاوية في غزة، التي يزداد وضعها تدهوراً. رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية صادق أمس على أن الأزمة حول السجناء هددت بإحباط التفاهمات بشأن التهدئة في القطاع.
مع ذلك، مشكلة السجناء تواصل التأثير سلباً على الوضع في القطاع. الكثير من السجناء ما زالوا يأملون أن يطلق سراحهم في صفقة مستقبلية مع إسرائيل، التي ستتم في إطارها إعادة مواطنين إسرائيليين وجثث جنديين من القطاع. ولكن الفجوة بين مواقف الطرفين كبيرة والصعوبة في جسرها يمكن أن تعيق عمليات إعادة إعمار واسعة في القطاع، على المدى الأبعد قليلاً.
بالنسبة للاتفاق الذي تم التوصل إليه، ليست كل التفاصيل واضحة. في إسرائيل يتفاخرون برفض طلبات السجناء إزالة أجهزة التشويش واستئناف زيارات عائلات سجناء حماس من القطاع. في حماس متحمسون من هذه السابقة التي تم تحقيقها تركيب هواتف عامة في الأقسام الأمنية، التي يسمح من خلالها للسجناء بالاتصال مع عائلاتهم. ما لم يتم قوله بوضوح هو أن هناك حوالي 40 قسماً أمنياً لم يتم فيها تركيب أجهزة التشويش، هذا كان فقط «مشروعاً ريادياً» وليس واضحاً هل ومتى سيتم توسيع الخطة. إضافة إلى ذلك، إسرائيل لا تقول هل ستشغل أجهزة التشويش في القسمين اللذين وضعت فيهما أم ستبقيها في مكانها.
ليس من السهل مراقبة مكالمات هاتفية عامة. خلافاً للتنصت الذي يتم في المناطق أو في دول العدو، كل تنصت كهذا يحتاج أمراً محدداً من قاض، الذي يعطى مسبقاً وتسري عليه قيود كثيرة. تركيب الهواتف سيكون مقروناً وفقاً لذلك بوجع رأس غير سهل بالنسبة لمصلحة السجون، التي من شأنها الإشراف على الضرر الأمني الذي يمكن أن يحدث بسبب المكالمات. باختصار، الاتفاق الذي تم التوصل إليه لا يبدو إنجازاً مثيراً للانطباع بالنسبة لإسرائيل، بل هو يمثل تسوية اضطر الطرفان إلى التوصل إليها تحت ضغط مصر والتهديد بأن الإضراب سيشوش على تحقق الهدف الرئيسي وهو تحقيق الهدوء في القطاع.
عاموس هرئيل
هآرتس 17/4/2019