وائل حلاق في قصور الاستشراق: إعادة الاعتبار لصور ودور المستشرق

منذ صدور كتاب وائل حلاق الأخير «قصور الاستشراق» الشبكة العربية للأبحاث والنشر، نلاحظ مسألة قد تبدو محيرة بعض الشي، إذا ما وضعنا في حسباننا الأهمية التي حظيت بها كتب حلاق في عالمنا العربي. مكمن الحيرة أو الاستفسار هنا، هو أن هذا الكتاب، رغم انتظار القراء والباحثين نسخته العربية، مع ذلك لا نعثر ليومنا هذا على قراءات ونقاشات واسعة حوله مقارنة بكتاب «الدولة المستحيلة» الذي غدا ساحة للجدال والخلاف حول دور الدولة، كما بدا لبعض الباحثين والمثقفين؛ خاصة من أبناء مدرسة ما بعد الاستعمار (هو وغيره من الكتب ذات النزعة النقدية حيال فكرة السلطة والدولة الغربية) بمثابة كتاب مقدس، يرفعونه لمواجهة أو تكفير أي سردية أخرى عن الدولة والحداثة.
ولعلّه من خلال رصدنا مؤخراً لكتابات بعض ممن اطلعوا على هذا الكتاب، فإن من بين ما يمكن تسجيله مثلاً على ردود الفعل حوله، التي حالت أحياناً دون أن يحظى بالترحيب الكافي.


أولاً: ما اعتبره بعض الأدوارديين (نسبة إلى أدوارد سعيد) شكلاً من أشكال الهجوم الحاد الذي شنّه حلاق على شيخهم، ومن الصفحات الأولى للكتاب؛ إذ يرى صاحب ثلاثية «تاريخ الفقه الإسلامي»، إن كتاب سعيد، أساء فهم الاستشراق، ليس لكونه ساهم في تعميم نظرة سلبية حول هذا النتاج، أو لأن معرفته بالإسلام ضحلة (رأي شبيه بتهمة كان أدوارد سعيد قد أطلقها بحق برنارد لويس واصفا دراسته «بالجهل المطلق» بالإسلام والشرق الأوسط)، بل لأن سعيد أيضاً لم يستطع أن يقرأ هذه النصوص خارج العالم الاستعماري، الذي أُنتِجت خلاله؛ في حين كان عليه، كما يرى حلاق، أن يتنبه لضرورة تسكين هذا الإنتاج في بنى تحتية أعمق، عبر النظر لخطاب الاستشراق ليس كانعكاس أو تبرير لمشروع استعماري، بل كانعكاس للمشروع الحداثي، وبالتالي فإن ما أخطأ به أدوارد من خلال ما نستشفه من الصفحات الأولى من قصور الاستشراق أن الأخير لم يكن جذرياً حيال رؤيته للمشروع الحداثي، وأن كتابه ليس سوى نسخة غير مكتملة من كتب فوكو.
ولم يقف حلاق على هذا الرأي، إذ ستدفعه هذه النتيجة التي توصّل إليها إلى مراجعة باقي ما كتبه أدوار سعيد في «الإمبريالية والثقافة»، الذي بدأ فيه أقل حدة، ومراجعة لأفكار «أدوارد الشاب»، أو ما كتبه عن الإنسانوية الجديدة، ليتوصل من خلال هذه المراجعة إلى مفارقة غريبة مفادها أن سعيد كان «مستشرقاً» أيضاً، لأن الاستشراق لا يُعنى فقط بتفكيك صورة شرق المستشرقين المختلف (الذي أنتج تحيزاتهم) بل هو أيضاً نقد للبنى التحتية التي أنتجته (التنوير الغربي)، بينما بقي أدوارد وفياً لأفكار عصر التنوير الإنسانوية العلمانية (ص 347).
وكما أشرنا هذا النقد القاسي، ربما شكّل صدمة وخيبة لبعض القراء الذين ظنّوا أو تعشّموا في حلاق وكتبه، بوصفها تعدّ استكمالاً لمشروع سعيد (ولا ننسى أن صدوره تزامن مع مرور ثلاثة عقود على صدور الاستشراق)، وإذا بهم يُفاجأون بهذه النتيجة. وربما من بين الأسباب الأخرى التي أخّرت من قراءة الكتاب والاحتفاء به، يتعلق بصعوبة النص مقارنة بسلاسة ووضوح أفكار «الدولة المستحيلة»؛ إذ لا يتورّع حلاق في هذا الكتاب الجديد عن حشد كل الكتابات الجديدة التي تدعم رأيه في نقد الحداثة وتقنياتها مقارنة بتقنيات النفس الإسلامية لدى الغزالي، كما أنه أعاد قراءة فوكو بشيء لا يخلو من الصعوبة، خاصة عند حديثه عن نظرية المؤلف، كما أن عروج حلاق الواسع وتذكيره الدائم ببعض الأفكار التي تطرّق لها في كتابه «الشريعة» الذي تُرجِــــم بالتزامن مع هذا الكتاب، دفعت ببعض القراء والباحثين إلى تأجيل قراءته أو الكتابة عنه، قبل الاطلاع على سفره الضخم حول الشريعة، الذي بدا أحياناً صعب المنال لشريحة كبيرة من القراء، بسبب غلاء ثمنه؛ خاصة أن حلاق يوجه نصيحة في الصفحات الأولى بضرورة الاطلاع على كتابه السابق قبل الخوض في شعاب دروب الاستشراق الوعرة.

لعل ما يقصده حلاق هنا هو أنه لكي يستطيع المستشرق الخروج من أسوار التنوير الغربي، فإن عليه أن لا ينظر في المنظومة التراثية الشرقية، بوصفها موضوعاً للتقييم أو فرصة للعثور في مغارة علي بابا الشرقية على قيم مشابهة لقيم التنوير الأوروبية.

وقد يكون هناك أيضاً سبب آخر يتعلق بفترة صدور الدولة المستحيلة (تُرجِم للعربية سنة 2014)؛ فهو لم يحظ بالاهتمام حال صدوره، بل مرّ بفترة من الزمن قبل أن يصبح مصدر نقاش واسع، أو بالأحرى قبل أن يتحول لكتاب نضالي لدى قسم كبير من مثقفي الربيع العربي المكلومين على تحوله إلى «شتاء قاس»، وفق تعبير صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ولذلك هناك من ربط الحفاوة التي حظي بها كتاب الدولة المستحيلة بتغير الظروف التي كانت يعيشها العالم العربي، وشعور أوساط ثقافية بخسارة ما حققه المتظاهرون في ساحة التحرير، أو غيره من البلدان العربية، خاصة أن حلاق كان يقدّم لهم إجابات تشفي غليلهم حول الدولة والفلسفة السياسية الحديثة (غير الأخلاقية) والغرب (الذي سكت برأيهم عن المجازر في مصر وسوريا).

وكي لا أطيل في الحديث عن صعوبة قراءة هذا الكتاب، أو ربما لأبرر لنفسي اعتماد قراءة جزئية معينة، وقد تكون قاصرة، سأعرج على الفصل الأخير من هذا الكتاب، الذي شكّل في رأينا شيئاً من المفاجأة للسعيديين أيضاً، أو لمن قرأ الفصول الأولى ذات النكهة الفوكودية حيال تاريخ الحداثة والتنوير الغربي، بيد أنه قبل هذا الانتقال، لا بد من الإشارة لفكرة، وهي أن حلاق لم ينظر إلى مشروع سعيد في هذا الكتاب سوى كمقدمة لإعادة قراءة أو تصفية الحسابات مع تاريخ التنوير الغربي، وما أنتجه من تقنيات للسيطرة أو الإبادة البنيوية للآخرين وفق تعبيره.
قد يوحي عنوان الكتاب برؤية أو معالجة مكرّرة لنتاج المستشرقين، أو لمن توقّع أن يدعو حلاق إلى قطيعة مع الاستشراق ونتاجه. بيد أن الأخير يفاجئنا بقراءة ورؤية أخرى لواقع المستشرقين اليوم؛ فمع حلول منتصف القرن العشرين، وحصول أغلب دول العالم الثالث على ما يسمى بالاستقلال، دخل الاستشراق، كما يرى حلاق مرحلة جديدة «ما بعد استعمارية». صحيح أن هذه المرحلة تركت بقايا من التراث الاستعماري، لكن في المقابل «ظهر عدد غير مسبوق من الأصوات التي عزّزت الاستشراق بليبراليتها المتّقدة، وكانوا بذلك حلقة من سلسلة طويلة من الباحثين المنتمين إلى سكان البلاد الأصليين». وبالتالي أضحى هذا الحقل مشتملاً على أصوات نقدية، مع ذلك، لم يستطيعوا تجاوز نقد سعيد.
وخلافاً لما فهمه القراء من كتاب أدوارد سعيد حول القطيعة مع نتاج الاستشراق، يقترح حلاق بدلاً من هذا الطرح، أن يقوم المستشرقون أصحاب المهارات الفيلولوجية، بإعادة النظر في اهتماماتهم، بحيث تتحول النظرة الحداثية للتاريخ من نظرة قومية إلى نظرة أخلاقية تعامل الآخر (التاريخي والحاضر) باحترام معرفي مناسب (ص365).
ولعل ما يقصده حلاق هنا هو أنه لكي يستطيع المستشرق الخروج من أسوار التنوير الغربي، فإن عليه أن لا ينظر في المنظومة التراثية الشرقية، بوصفها موضوعاً للتقييم أو فرصة للعثور في مغارة علي بابا الشرقية على قيم مشابهة لقيم التنوير الأوروبية، وهو أسلوب لا يقتصر عليهم فقط، وإنما نراه اليوم لدى مثقفين مسلمين كأعمال الفيلسوف الإيراني عبد الكريم سروش الأخيرة، التي أخذت تعيد النظر في استراتيجيات خطابه الحداثي التقليدي، من خلال محاولة تأصيل أفكار الحداثة الغربية داخل التراث الإسلامي، باحثاً مثلاً عن مفهوم التعددية أو العقلانية في أفكار الشيخ جلال الدين الرومي (أنظر مقابلة معه «المتصوفة أنبياء التعددية» على موقع قنطرة). لذلك، يرى حلاق أن وظيفــــة المستشـــرق، لم تعد تكمن في الكشف عن الشرق العقلاني أو الليبرالي، كما حاول سعيد /وفق ما يراه حلاق، بل يغــــدو عمـــله بمثابة «الوسيلة البناءة التي يمكن من خلالها للــذات السيادية (الإنسان الحديث/الغربي) البدء في مشروع الحفاظ على الروح أثناء عملية تأسيس تقنية جديدة للنفس».
ورغم أن هذه الرؤية تبدو إشكالية أيضاً، بيد أن ما يحسب لحلاق هنا هو أنه يُعيد، بشكل أو بآخر، التصالح مع المستشرقين وكتاباتهم ومهاراتهم البحثية، ما يُعدُّ برأينا أهم ما جاء به هذا الكتاب، بعكس الصورة النمطية التي أحدثها كتاب «الاستشراق» لسعيد في ذهنية القارئ، رغم محاولات سعيد العديدة التبرؤ من هذا التصور القاصر.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية