الوطن، الشعور بالمواطنة، المصالحة: هموم مسودة قانون المساءلة والعدالة العراقي
د. رعد موسي الجبوريالوطن، الشعور بالمواطنة، المصالحة: هموم مسودة قانون المساءلة والعدالة العراقي كثيرون يتحدثون عن العراق والوطن فهل يشترك الجميع بفهم وبتصور مشترك عن الوطن؟ طبعا لا.وكثيرون يتحدثون عن عراق محتل ووجوب اخراج المحتل ولكن هل يتفقون جميعا حول كيف التعامل مع المحتل و هل يتفقون حول تصور مشترك للعراق بعد اخراج المحتل؟ طبعا لا. الكم الكبير يتحدث عن المصالحة الوطنية ولكن هل كل المتحدثين وطنيون؟ وما المقصود بالمصالحة؟الوطن هو المكان والمحيط الذي يألف فيه الانسان ويسكن ويشعر فيه بالطمأنينة والراحة.والوطن العراقي هو بيتنا كردا وعربا وتركمانا، سنة وشيعة، آشوريين وكلدانا، مندائيين وازيدية وجميع من يسكن العراق والذي يفرط بأي مكون من مكونات الشعب العراقي هو غير وطني. اما الدولة العراقية فهي متغيرة وهي نسبية، ولكنها ضرورية للحفاظ علي الوطن فالدولة الديمقراطية هي المؤسسة الاجتماعية المكلفة من قبل الشعب بخلق نظم و الحفاظ علي اطار سياسي وقانوني تنفيذي لضمان ديمومة الامن الداخلي والخارجي والسلم الاجتماعي وتوفير الخدمات الضرورية لاستمرار الحياة وتحقيق وتنمية رفاه المجتمع. وكلما تحسنت نوعية اداء الدولة تحسن تنامي الشعور بالوطنية والانتماء للوطن.تختزل العقيدة القومية للبعثيين الوطن وتسميه قطرا و البعث حوّل الدولة الي وسيلة قمع واداة للحرب ووسيلة لتشويه التاريخ من اجل امة لم توجد علي مدي التاريخ، والبعثيون يطمحون ويرمون الي القضاء علي الوطن العراقي واذابته في جسم ما سموه بالوطن العربي والذي هو ليس بيتا لاغلبية العراقيين الساحقة ففي كل بلد من البلدان العربية هناك لغة وعادات واعراف غريبة علي العراقي وحتي قوانين الاقامة وغيرها لاتعامل العراقي مثل ابناء ذلك البلد. وحسب عقيدة البعث يجب القضاء علي الوطن العراق لدمجه كقطر في ما يسمي بالوطن العربي الكبير وبالنتيجة فالبعثيون غير وطنيين. كان أداء الدولة البعثية مسيرا لخدمة مايسمي قضية الامة العربية بالدرجة الاولي، مما ادي بالدولة الي التقصيرالواضح بنوعية الخدمات المقدمة للشعب العراقي من اجل تحقيق مفهومها القومي، بالقسر و بالضد من قوانين تطور التاريخ، بالرغم من ان موارد العراق البشرية و الطبيعية اكبر بكثير من موارد دولة الامارات في السبعينات، و لم تلمس البلدات والقصبات العراقية اي تطور لبناها التحتية ولا الخدمية يتناسب مع امكانات العراق. كما اخلت دولة البعث بالامن الداخلي والخارجي فادخلت شعبنا بحروب دموية مدمرة داخليا وخارجيا. واهدرت الطاقات والموارد. والعنف الدموي الذي صاحب فترة حكم البعث لم يأت مصادفة فعقيدة البعث وثقافته تستند علي العنف الدموي المسرف فيقول احد شعرائهم:لـن نغــض الطـــــرف عـــــن آلام امس يا طريق البعث عبدناك رمسا فوق رمسفكم نحتاج من القول لنفهم طريقهم وهم انفسهم يقولون ان طريقنا هو القبور وهذا ما فعلوه وما زالوا يفعلوه بالشعب العراقي. صفي البعثيون القادة الوطنيين والمعارضين لهم والكوادر الخيرة من ابناء شعبنا عربا وكردا وتركمانا مسلمين ومسيحين صابئة وازيدين شيعة وسنة. وبدعم من المخابرات الاجنبية اجهضوا ثورة 14 تموز (يوليو) الوطنية وصفوا قادتها الخالدين.ويجدر بنا ان نذكر ان ليس كل الفكر القومي غير وطني فخصوصيات القوميات والطوائف العراقية ساهمت ورفدت صيرورة الهوية العراقية. ان العراق هو بودقة اختلطت فيه ثقافات قومياته وتقاليدهم لتكوين الهوية العراقية ولكن الفكر البعثي حاول اعاقة وتشويه تطور الثقافة العراقية المشتركة من خلال وسائل عدة منها استخدام مناهج المدارس والتي لا تزال تدرس وللأسف لحد اليوم، ان الفكرالبعثي يلغي وينكر ثقافات وشخصية قوميات وطوائف وفئات الشعب العراقي وهنا تحضرني الحادثة التالية: كنت في ضيافة عائلة عراقية آثورية فسألت ابنهم وهو في الصف السادس الابتدائي عن الحضارة السومرية فأجابني بأنها قناة تلفزيونية. وبعد هذا الجواب سألته ماذا تتعلمون في المدرسة في درس التاريخ اجابني يعلموننا عن حرب تشرين وما شابه. والسؤال المهم هنا لماذا لا يدرس العراقي تاريخ بلاده الاكدي والسومري والكلداني والآشوري والآرامي والفارسي والكردي والعربي والاسلامي والمسيحي…؟ هل يتعلم اولادنا في درس التربية الوطنية ماهي اصول الديمقراطية وكيف تطور مفهومها؟ هل يتعلم التلميذ في المدرسة الابتدائية العراقية عن البيئة والحيوانات في صحاري وسهوب واهوار وجبال العراق؟ هل يتعلم التلميذ العراقي طبيعة الازياء والاعياد والمناسبات الخاصة بقوميات وطوائف الشعب العراقي العديدة؟ هل يتعلم الطفل العراقي في دروس التربية الفنية رقصات وموسيقي واغاني واساطير القوميات والفئات العراقية المختلفة؟ وهل.. وهل.. وهل؟ لا اريد هنا وضع برنامج لتغيير المناهج ولكن الي متي يستمر ارث تجاهل و محاربة الوطنية العراقية؟ان غالبية القوي التي عارضت نظام البعث الصدامي هي قوي تؤمن بالتركيز علي بناء العراق فهي قوي وطنية تريد للعراق الازدهار والتقدم. ولاتفضل غير العراقي علي العراقي. لذلك استندت هذه القوي علي تعاطف واسع من العراقيين في مقارعتها لنظام البعث. فالعراقيون يريدون وطنا يعيشون فيه بسعادة وحرية ويتمتع فيه ابن البلد بسد حاجاته كانسان كريم. ولكن بعد سقوط نظام صدام ساعدت الملابسات والاخطاء التي سببتها ادارة قوي الاحتلال بمساهمة او بسكوت بعض قوي المعارضة لنظام صدام والتي لها اجندات غير وطنية بتوسيع قاعدة المستفيدين من نظام صدام من خلال الاوضاع الغير امنية التي اشتدت حدتها بعد سقوط نظام صدام ونلاحظ اليوم تصاعد الامنيات بعودة هذا النظام حتي من قبل فئات كانت متضررة او ضدهم. فقد جاء المحتل واستلمت قوي السلطة بالتنسيق معه وسددت ضربة اخري لصورة الوطن.فتقسيم المجتمع سياسيا علي اساس طائفي مذهبي او ديني ساهم في خلق نزاعات دموية داخل المجتمع العراقي ليست للمواطن العراقي اية مصلحة فيها. ان الدعوة ظاهرا او باطنا لتغالب وتنابز المذاهب الدينية سياسيا هي دعوة مضرة بالعملية الديمقراطية وعملية تكريس الهوية والروح الوطنية لذلك فهي ضد الدستور ويجب ان تلاحق قضائيا. ويساهم الشعور بعدم رفع الحيف والضررالبعثي الذي لحق بكل اطياف الشعب العراقي في تغذية العنف المنفلت في البلاد. فنارالثأر والانتقام من الجلادين السابقين لاتزال متأججة ومن الاسباب المهمة لذلك:1 ـ لم يتحل البعثيون بالشجاعة والجرأة لحد الآن، ربما بسبب تربيتهم، بالتقدم والاعتذار للشعب العراقي ولضحاياهم عما ارتكبوه من جرائم وحروب واهدارللموارد. ولم يقوموا بنظرة نقدية معلنة لتاريخهم ولفكرهم الشمولي واللاوطني. بل نري العكس فلايزالون في غيهم يشتمون المخلصين ويحتقرون الضحايا وينشرون الاشاعات والشتائم.2 ـ لم تسهم اجهزة الدولة الجديدة بالتخفيف من هذا الشعور فقوانين البعث وروحية البعث التي تنكر الاخر وتحتقر الاخر لا تزال سائدة وشخوص البعث بدلت ملابسها السياسية وارتقت مناصب ومواقع حساسة في الدولة الجديدة. والمضطهد ليس له صوت. 3 ـ جري خلط خطير ومضر، من قبل سلطة الاحتلال وبعض القوي السياسية التي رافقته، بين موظفي اجهزة الدولة العراقية و منتسبي حزب البعث. علما ان الجيش العراقي الباسل تأسس بنشوء الدولة العراقية وهو رمز للنضال الوطني. فتم حله بقرار جائر ونال منتسبوه حيفا ماديا ومعنويا يجب ان يرفع.وتقع علي الدولة العراقية الفتية مهام جسيمة وتاريخية من اهمها ازالة الاضرار التي الحقها النظام المقبور بالهوية الوطنية العراقية.ان تصوير الخلافات الرئيسة داخل المجتمع العراقي من خلال (موديل) تقسيم المجتمع العراقي الديني والمذهبي والقومي غير صحيح ومضر بالعملية السياسية والديمقراطية وبتطور ورفاه المجتمع، فالعملية السياسية في الديمقراطيات الحديثة بنيت علي اساس مبدأ المواطنة ومحورها هو المواطن بغض النظر عن عرقه او معتقده او دينه. وهذا الشكل من تنظيم المجتمع ومن نوعية العلاقات الاجتماعية يوفر بيئة مناسبة لتطور المجتمع ورفاهه.لذا فلن تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية وسلم اجتماعي دون:1 ـ الاعتراف بمبدأ المواطنة وتطبيقه عمليا وتغيير المناهج التعليمية والسلوكية السياسية بما يرمي لخدمة مبدأ المواطنة العراقية وتنمية روح الهوية العراقية.2 ـ محاربة الفساد الاداري والقضاء علي المحسوبية والمنسوبية بكل اشكالها، العشائرية والمناطقية والمذهبية والتحزبية.3 ـ محاسبة الذين اجرموا بحق المواطنين وبحق الشعب العراق قضائيا.4 ـ ادانة ونبذ وتحريم العقائد والافكار الداعية للعنف القومي والديني والعرقي وضد الفكر المختلف.5 ـ السماح للبعثيين السابقين الذين يؤمنون بالوطن العراقي ان ينظموا انفسهم بحزب علني بشرط ان يقوموا بنقد تاريخ الحزب من خلال رؤية وطنية انسانية ويقدموا الاعتذار للشعب العراقي وان يعلنوا تخليهم عن الافكار اللاوطنية واللاانسانية وعن استعمال العنف والقمع في السياسة ويلتزموا باساليب الديمقراطية والحياة الدستورية. 6 ـ استخدام الموارد بشكل كفؤ ومنصف لسد حاجات المواطـــنين واشــاعة الرفاه في عموم العراق بشكل متوازن7 ـ اصلاح جذري وشامل في مجال الثقافة والتربية والتعليم علي اساس الفكر المتنور والمتسامح وتنمية روح الوطنية العراقية.8 ـ تصحيح كتابة تاريخ العراق الرسمي واظهار مساهمات ودورجميع اطياف ومكونات الشعب العراقي بدون تحيز او تمييز.وللأسف لاتراعي مسودة قانون المساءلة والعدالة، المنشور علي جريدة المدي العراقية يوم الخميس المصادف 29/3/2007، النقاط السالفة.بل تتضمن هذه المسودة تناقضات جوهرية مع الاعراف والقوانين الدولية، ففي العرف القانوني الدولي لا يكون هناك تقادم للجرائم الجنائية، مثل القتل وسلب الحرية والاغتصاب الجنسي والخطف والايذاء الجسدي والتعذيب وسرقة الاموال.. الخ، بينما تنص المادة اولا النقطة 14 خلاف ذلك فتسقط حق اقامة الدعوة القضائية بعد مرور ثلاثة اشهر من صدور هذا القانون. ولم تكن المسودة واضحة ودقيقة في تحديد المدة، هل تبدأ بتاريخ اقراره في مجلس الوزراء او في مجلس النواب او بعد نشره في جريدة الوقائع؟لتحقيق المصلحة الوطنية المشتركة في الامن الرفاه والنمو الاقتصادي يجب ان تحل التناقضات بتطبيق القانون والدستور وبالاساليب الديمقراطية والقانونية. وعلي القانون ان يهيئ المناخ السليم ويعطي كل ذي حق حقه.ہ كاتب من العراق8