الكنداكات: حضور باذخ في الثورة السودانية منذ بدايتها

امتنان الرضي
حجم الخط
0

منذ مجيء سلطة نظام الإنقاذ البائد في العام 1989 مارست كل أساليب التمييز على المرأة السودانية ودعت لكل أنواع العنف والبطش ضاربة بكرامتها ومسيرتها وتأريخها النضالي عرض الحائط. أتت الجبهة الإسلامية وقيدت حرية المرأة ابتداء من منعها من حق التعبير عن نفسها وانتهاء بقانون النظام العام الذي يتحكم في زيها أو طريقة لبسها. هذه وغيرها من الأسباب كانت كفيلة لخروج الكنداكات اللاتي شكلن حضورا باذخا منذ بداية الثورة ليقفن في وجه النظام الظالم إلى أن تنحى رئيسه المخلوع عمر البشير وما زلن يواصلن اعتصامهن من أجل إسقاط كل أذيال نظام الإنقاذ.

 أن نضال السودانيات بدأ منذ آلاف السنين وعلى امتداد النيل الذي يشكل محدد هويتهن ومزاجهن، وأن الكنداكة اسم يقصد به المرأة السودانية التي لها إرث نضالي تأريخي عتيق استمدته من حقب حضارية قديمة.

تقول الإعلامية والناشطة السياسية والمهتمة بقضايا المرأة وحقوق الإنسان سميرة البلوي لـ”القدس العربي”: “مرت الحركة النسوية السودانية بتجارب كثيرة استطاعت أن تنتصر قبل مثيلاتها في المحيط الإقليمي، وعاش جيل الجدات والأمهات ثمرة نضالهن بعد استقلال السودان مرورا بفترة الديمقراطية الثالثة، في وعي مشترك مع الرجال الذين كانوا يؤمنون بحقهن في الحياة الكريمة والتعليم وصولا إلى الأجر المتساوي في العمل”.

وتضيف: ولكن بعد انقلاب الجبهة الإسلامية المشؤوم اضطربت أوضاع النساء وازداد الأمر سوءا بالقوانين المهينة لكرامتهن، وصولا لتقييد الحريات. حيث مارس نظام الإنقاذ العمل على تنميط صورة المرأة والتمييز السلبي الذي وضعها في خانة حرجة اجتماعيا، وتولدت منه أشكال العنف المؤلمة في المجتمع سواءَ العنف الأسري أو في أماكن العمل”. وتردف “أما النساء في مناطق النزاع فإن قصة كفاحهن تحتاج سفرا من التأريخ ليدرس لاحقا في التجربة الإنسانية”.

وتواصل “مع اجتهاد حكومة الإنقاذ في التضييق على النساء باسم الدين واستنادا على قوانينها المؤذية، كانت منظمات المجتمع المدني الناشطة في ملف المرأة تعمل على رفع الوعي بضرورة مشاركة النساء في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية مشاركة حقيقية”.

لافتة الا أن استمرار التذمر والضيق المعيشي وانعدام السلام الاجتماعي والقوانين المقيدة للحريات فاقم الوضع وأصبح الأسفير مكانا للتعبير عن الرأي خاصة عبر المجموعات النسوية فظهرت بعض المجموعات في وسائل التواصل المختلفة. وأضافت أن “منبرشات” تمثل نموذجا كإحدى منابر الوعي من خلال الميديا فمن خلالها انتقلت كثير من الفتيات السودانيات إلى صناعة الفعل الثوري ونظمن عبرها مخاطبات تحمي وتطالب وتدافع عن قضاياهن وقضايا الوطن واللتجاه نحو النصر.

وزادت “ما خرجت مظاهرة إلا وكانت الكنداكات مفعمات بالحياة والرغبة الجامحة في التغيير إلى أن انتقلت هذه الملامح بصورة واضحة إلى شارع القيادة العامة للقوات المسلحة، حيث بدأ ظاهرا للعيان أن المرأة السودانية هي من صنعت ثورتنا الحالية التي أدت لسقوط الرئيس المخلوع رغم ما مُورس ضدها من تمييز وعنف في الثلاثين عاما البائسة البائدة.”

وتحدثت البلوي عن المستقبل وقالت: “إن الغد سيزدهر وستكون للكنداكات مسؤولية أكبر تجاه الوطن وسلامة مجتمعه سواء عاملات أو موظفات أو أكاديميات أو صانعات رأي أو صاحبات قرار أو ربات منازل”.

وأضافت مديرة “منتدى النصف الواعد” والمهتمة بقضايا المرأة والأستاذة في جامعة الأحفاد هادية حسب الله: “أن وجود المرأة السودانية في المجال العام ليس بالأمر الجديد، فالنساء كن جزءا أصيلا من حركة الاستقلال والتحرر في السودان، وظللن موجودات بشكل مؤثر وفعال”. ولفتت “لن ننسى العازة زوجة علي عبد اللطيف، وهي أول من تعرضت للتعذيب من قبل الاستعمار إذ كانت تقوم بدور إيصال الرسائل بين ثوار اللواء الأبيض، ولن ننسى أيضا المسرحية التي أُقيمت بمنزل السيدة فاطمة عبد الرحمن والتي كان ريعها لصالح دعم الوفد عندما قرر السفر لمصر لمناقشة أمر استقلال السودان آنذاك”.

وحول شجاعتهن قالت حسب الله “إن السيدات كن أكثر من تعرض للقمع والعنف من قبل نظام الإنقاذ الظالم. كن أكثر ضحاياه لذا لديهن من الغضب ما يكفي ليكن في الصفوف الأولى” ولفتت إلى أنهن أكثر فئة عانت من العنف عبر السياسات الفاشلة من سلطة الإنقاذ التي أودت بالبلاد لحروب عبثية فقدت فيها نساء أبناءهن وأزواجهن وتم تهجيرهن قسرا لمعسكرات النزوح البائسة. ودفعن فاتورة فشل السياسات الاقتصادية فواجهن حربا يومية لتوفير لقمة العيش لأطفالهن.

وأضافت “أنها فرصتهن الوحيدة للعيش بكرامة بلا فقر أو ذل. أن السودانيات هن الأكثر صبرا لنيل دولة مدنية ديمقراطية وما زلن معتصمات بلا كلل أو ملل فهن ينتظرن فجرا وشيكا لا يساومن عليه”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية