الثورة السودانية: زخم تلو الآخر

سيد احمد علي بلال
حجم الخط
0

بات معروفاً أن الثورة المتأجّجة في السودان بدأت كاحتجاجات في مدينة عطبرة في كانون الأول/ديسمبر الماضي وتعرضت لقمع وحشي سقط نتيجته عدد من القتلى والجرحى. ثم جاءت مسيرة المهنيين في 21 كانون الأول/ديسمبر نفسه وظلت الثورة مستمرة تتبع برنامجاً يومياً من إعداد تجمع المهنيين الذي وقّع على بيانه التأسيسي “بيان الحرية والتغيير” قوى “نداء السودان” و “الاجماع الوطني” و “التجمع الاتحادي” و “تجمع القوى المدنية”. وامتدت الثورة إلى العديد من أحياء مدن العاصمة المثلثة (الخرطوم، الخرطوم بحري، ام درمان) وللمدن الأخرى مثل مدني وكسلا وكريمة والأبيض وبورتسودان، بل أنها بلغت الأرياف. وتميّزت الثورة بإطلاق شعارات خلاقة في التظاهرات اليومية أو شبه اليومية اختلط فيها الهتاف بأشعار وأغاني ترددها حناجر الشباب في تظاهراتهم وأمام متاريسهم في مواجهة قوات أجهزة الأمن وقوات الظل وقوات الأمن الطلابي.

كانت السلطة السابقة تبرز عناصرها المتشددة وعضلاتها، وتجمع العناصر المطلوبة لدى العدالة الدولية، وكانت تكرر نفس وسائل دعايتها السابقة حول “المندسين والخونة والمخربين” لكنها كانت تفعل ذلك بوقاحة أكبر عبّرت عن نفسها في تهديد الفاتح عز الدين (رئيس سابق للبرلمان) والذي قال يوم 12 كانون الثاني/يناير انه يحتاج لأسبوع واحد فقط لإخماد صوت المتظاهرين، وطرح حلّه الهزلي للمشكلة الاقتصادية بطباعة العملة بطريقة عشوائية وكأنها تخرج من المطابع بصوت له إيقاع (رب، رب، رب) وكان قد سبقه علي عثمان محمد طه النائب السابق للبشير الذي هدّد مساء يوم 9 كانون الثاني/يناير في لقاء تلفزيوني حيث حسب وصف الكاتب والقاضي السابق سيف الدولة حمدنا الله، لعلي عثمان بأنه “ضم جفني عينيه وقطب حاجبيه مع التحديق إلى الأمام” وجاءت كلمات علي عثمان كتحدي أعطى زخما كبيرا للثورة إذ قال بكل وضوح “هناك كتائب ظل كاملة، وأحسن نقول لهم انها موجودة، تدافع عن هذا النظام إذا ما احتاج الأمر إلى تسيير دولاب الأمن وتدافع عن هذا النظام حتى إذا اقتضى الأمر التضحية بالروح”. وكان قول علي عثمان محمد طه كافيا لإبراز وجود دولة داخل الدولة أو دولة عميقة وإن أي مظهر خارجي هو مجرد ديكور.

كانت عبارات أحمد هارون الذي أتى به البشير ليخلفه في رئاسة الحزب الحاكم حاضرة وهو يحض الجنود بقول “امسح، أكسح، قُش. ما تجيبوا حي، ما تعمل لينا عبء إداري”. حتى البشير نفسه هدد في خطاب جماهيري قائلاً: “قالو دايرين الجيش يستلم السلطة” مضيفاً “إذا جاء واحد لابس كاكي ما عندنا مانع” ثم أقسم قائلاً “أقسم بالله العظيم كان دقت المزيكة تاني كل فار يخش في جحره”. نفس الأقوال التي صدرت عن قادة النظام السابق لتثبيت نظامهم هي التي حفرت قبر نظامهم وصاروا، هم أنفسهم، يعرفون بتلك الأقوال وسوء الخاتمة.

يوم مفصلي

كان يوم 6 نيسان/ابريل الجاري مفصلياً استعد له تجمع المهنيين بدعاية مكثفة إلى مسيرة ضخمة تقدّم عريضة إلى الجيش في مبنى القيادة العامة. يمكن وصف ساحة الاعتصام بأنها ساحة تمتد أفقياً من شرق حي بري وحتى نهاية المطار (مطار الخرطوم الدولي) من الناحية الشمالية. كما تمتد شمالاً من منتصف كبري كوبر وكبري الحديد في الشمال الغربي أما غرباً فتوجد كل مداخل الشوارع الرئيسية لوسط الخرطوم مثل شوارع: الجامعة والجمهورية والبلدية والطابية.

يقول أحد الحركيين في فيديو منتشر على العديد من المواقع أن تجمع المهنيين كان متخوفاً من استيلاء العسكر على السلطة وكان هذا وراء اختياره لمبنى “القيادة العامة” “لاستنهاض” القوات المسلحة للقيام بدورها وواجبها في حماية الشعب، وأن الثوار في الميدان تعرضوا منذ الاعتصام إلى ثلاث هجمات ليلية، أو قبل الفجر بقليل، من ميليشيات قوات الأمن تستهدف إنهاء الاعتصام، وأنهم وجدوا الحماية من أفراد من القوات البحرية فتحوا لهم أبواب القيادة العامة للحماية رغم أن 13 بوابة للقوات المختلفة كانت مغلقة أمامهم، ومنهم من قتل عمد حمايته للمعتصمين.

وكما هو معروف فقد وقع ما أسماه المعتصمون بـ”انقلاب القصر” الذي استولى بموجبه عوض بن عوف وزير دفاع حكومة البشير على السلطة يوم 11 نيسان/ابريل برئاسة مجلس عسكري انتقالي، لكن المعتصمين لم يقبلوا به فاستقال وأقال نائبه ثم تم تكليف الفريق أول عبد الفتاح البرهان برئاسة ذلك المجلس العسكري الانتقالي.

شهدت الفترة من 11 – 15 نيسان/ابريل اضطراباً إذ أن المجلس العسكري الانتقالي مضى فيما يبدو يمارس دور تسيير الفترة الانتقالية وتلقى بعض التأييد من عدد قليل من الدول الخارجية بينما بدأ تجمع المهنيين وحلفاؤه وكأنهم يطالبون المجلس العسكري بالإسراع في أداء مهمة تفكيك النظام ومؤسساته واعتقال رموزه ثم تسليم قوى إعلان الحرية والتغيير السلطة بوصفهم الجهة التي ستشكل الحكومة المدنية؛ لكن التململ في أوساط الشباب الميدانيين وتجمع المهنيين وحلفاؤه من الموقعين على بيان الحرية والتغيير عبّر عن ضيق وتخوف من أن البرهان ومجلسه في طريقهما إلى أن يكونا أصحاب القرار لقيادة فترة انتقالية من عامين (بحكم الأمر الواقع). ودفع هذا التململ إلى تصاعد زخم الثورة التي ظلت جذوتها، خلال الأشهر الأربعة الماضية، تخبو ثم يرتفع لهيبها من جديد، بعد تصريح وقح من أحد صقور النظام أو من عملية اغتيال كما في مقتل الطبيب بابكر والاستاذ أحمد الخير الذي توفي تحت التعذيب وغيرهما. وهكذا استعادت الثورة زخمها الجديد بعد أن انتقلت من المظاهرات المتحركة في الشوارع ومن الشعارات ذات الإيقاعات القصيرة التي تصاحب وتردد ايقاع خطوات السير إلى الاعتصام في مكان ثابت هو ساحة الاعتصام التي تتكون من ثلاثة خطوط سير سيارات أولها متاخم لأبواب القيادة العامة وممنوع التواجد فيه إلا عند لحظات الضرورة كالاحتماء من هجوم؛ أما الخطان، الثاني والثالث، اللذان كانا في السابق يستخدمان لعبور السيارات فقد صارا يستخدمان الآن كساحة للاعتصام وتمر هذه الخطوط أمام القيادة العامة بفروعها التي تبدأ غرباً من هيئة أركان القوات البرية، تليها هيئة أركان القوات الجوية، ثم هيئة أركان القوات البحرية ثم تتواصل ضمن ساحة كبيرة ممتدة.

صار للاعتصام نشاطات ثابتة على عكس التظاهرات فالناس يتدفقون على مناطق الاعتصام عبر شوارع الجامعة والجمهورية والبلدية والطابية وأيضاً عبر كبري كوبر وكبري الحديد. ويقيم شباب الاعتصام متاريس على كل المداخل خوفاً من تسلل عناصر الأمن وميليشيات الظل. يقول الشباب الواقفين على المداخل عند تفتيش القادمين إلى ساحة الاعتصام “ايدك فوق لكن بالذوق” “ايدك فوق لأمن أخوك”. هناك فنانون وشعراء على المسارح بين كل نقطة وأخرى. هناك فنانون تشكيليون رسموا لوحات على أرض الاعتصام كما أن صور الشهداء معلقة على الأعمدة.

نقلة جديدة

في مواجهة البلبلة واتجاه قوى النظام السابق لتفكيك وحدة قوى الحرية والتغيير، واتجاه احباطات نتجت عما يُسمى بتلكؤ تجمع المهنيين ارتفعت أصوات شباب الميدان بأهمية استمرار العصيان والتمترس في ساحة الاعتصام وبدأوا في منابرهم الثابتة في الساحة يشددون على أهداف الثورة ورفض أي دعوة لرفع الاعتصام. ونتيجة لذلك أعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير بعد مشاورات بينها عن تصورها الإطاري لآليات ترتيب الحكم بوصفها القوى التي قادت الثورة مما أحدث نقلة جديدة صحبها زخم جديد.

ذكر بيان قوى إعلان الحرية والتغيير انها ستختار ممثلي المجلس الرئاسي من قوى الثورة مع تمثيل للجيش عبر وزارة الدفاع، وسيباشر المجلس الرئاسي المهام السياديّة وفق الدستور الانتقالي المقترح من قوى إعلان الحرية والتغيير. وأشار البيان إلى ان تصوره يتضمن تكوين مجلس وزراء لا يتجاوز عدد أعضائه 17 من كفاءات وطنية، وإقامة مجلس تشريعي انتقالي يصل عدد اعضائه إلى 120 بنسبة تمثيل 40 في المئة للنساء.

على الصعيد الإقليمي فقد طالب رئيس مفوضيّة الاتحاد الافريقي، موسى فكي، المجلس العسكري قبل بضعة أيام بتسليم السلطة على الفور إلى سلطة انتقالية بقيادة مدنية خلال الخمسة عشر يوماً المقبلة ويبدو أن الاتحاد الأوروبي يسير على الطريق نفسه إذ أن نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، الممثلة العليا للسياسة الخارجية، صرّحت، في الجلسة العامة للاتحاد الأوروبي، قائلة “نحن نؤيد تأييداً كاملاً مطلب الاتحاد الأفريقي موقفه من هذه القضية” وأضافت “طالما لم يتم إدارة عملية الانتقال من قبل المدنيين فإن الاتحاد الأوروبي لن يعترف بشرعية المجلس الانتقالي”.

وجاءت التوقعات المستقبلية لأحد عناصر حزب المؤتمر الوطني البرلمانيين السابقين من الذين أبعدوا مؤخراً عن الحزب (أ. ح) متفائلة إذ قال في رسالة خاصة “من الواضح أن المستقبل يحمل آمال وطموحات الشباب، الجيل الذي عانى كثيراً من الإسلاميين وسُلبت حريته” وأضاف “سوف تسيطر القوى الشبابية على المشهد السياسي خاصة إذا تم تشكيل حزب يمثلها وهذا وارد جداً” أما عن حزب المؤتمر الوطني نفسه (حزب السلطة السابقة) فقال عنه “لن يجد المؤتمر الوطني مكاناً بين المواطنين حتى لو تكوّن باسم جديد” وأضاف “المحاكم التي سوف تُعقد ستزيد كراهية الناس في الإسلاميين لما ستكشفه من لصوصية وأشياء مخزية ما كان الناس يتوقعونها”.

فهل ستستمر هذه المسيرة التي تعمدّت بالدم، وبالقتلى والجرحى، نحو أفق أقل دموية كي تبلغ درجة التفاؤل بإمكانية إطفاء بؤر الحرب المشتعلة في عدة مناطق في السودان؟ الاضاءة الأكبر ستأتي من المؤتمر الصحافي الذي دعا تجمع المهنيين يوم 19 نيسان/ابريل جماهير الشعب وجميع الأجهزة الإعلامية المحلية والإقليمية والعالميّة والبعثات الدبلوماسيّة لحضوره وتغطيته يوم الأحد الموافق 21 نيسان/ابريل الساعة السابعة مساء بتوقيت السودان لإعلان الأسماء المختارة لتولي المجلس السيادي المدني وتفاصيل الجهود المتقدمة بشأن السلطات المدنية الأخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية