إن مجمل الدراسات والقراءات النقدية التي تناولت الروايات والمجاميع القصصية والدواوين الشعرية، ومن فَرط تكرارها وحضورها النشاز على ما يسمى بالملاحق التابعة، كانت في غالبيتها العظمى، قراءات ودراسات لصالح أصحاب سلطة رمزية ممن طفا بهم السيل، بغية التعريف بهم حصرا والترويج لأسمائهم وإبداعاتهم، في واد اختلطت فيه الأجناس الأدبية وتداخلت في ما بينها حتى صارت زبدا رابيا، أو هي قراءات ودراسات مالت لمن هم يملكون قرار السيادة والوجود بالإكراه، الذي يأخذ مُتَّكأه ومنْسَأَته، تارة من السياسة أو الإعلام، وتارة أخرى من جمعيات المجتمع المدني، على سبيل الإشارة عِوَضاً عن الإبداع والأدب، وفي مقابل هذا النفير، هُجِّر كتاب ومبدعون حقيقيون ممن أياديهم فارغة من أي ولاء كرهاً، إلى منافي الإقصاء والتهميش وسِيقَ بهم زرافات ووِحدانا إلى سجون الكآبة والعزلة البغيضة. ولنا في صاحب «شجرة الحكاية» و»مثل تفاحة مقضومة» ــ الطبعة الثانية 2017، دار فالية للطباعة والنشر والتوزيع، بني ملال/المغرب ــ الكاتب المغربي عبد الهادي الفحيلي خير دليل ومنارة نستهدي بها في قراءتنا هذه، وقَبله ومعه وبعده جمع غفير من الكتاب والمبدعين ممن ذاقوا من ثمر الشجرة المحرمة وطُردوا من دائرة التداول.
بين التوحد والوحشة
يذهب الناقد الإيرلندي فرانك أوكونور في دراسة له بعنوان «الصوت المتفرد» أبعد من ذلك ويرى «أن ما يميز القصة القصيرة، هو إحساس عارم بالوحشة أو بالتوحد الإنساني» بخلاف الرواية، أي، أن الإنسان «يعيش ضمن حدود المجتمع مثلما يتضح ذلك جليا في روايات جين أوستن وترولوب»، إضافة إلى امتلاكها لغة متميزة وأسلوبا وإيقاعا متميزين، ناهيك من التقطيع والتكثيف والجزالة. القصة القصيرة في مجموعة «مثل تفاحة مقضومة» تأخذ من تعريف أوكونور أي الميل نحو «التوحد أو الوحشة»، وتسلك منحاهما، وتجعل المتن سائلا مُلتبسا التباس السارد البطل، وعلى المتلقي الحذق أن يزعجه ذلك، ويطرح السؤال الأثير لماذا وكيف؟ أو لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وإلاَّ لرأى القصة كاملة غير منقوصة، واستحالت إلى فكرة عادية أو معلومة متداولة، أو دعوة خالية من أي إيهام أو تشويق، تنتهي بانتهاء المعلوم منها، أو الذي تدعو إليه وتنتهي صلاحيتها كأي وثيقة أخرى لا تحفل بالإبداع.
يرى فرانك أوكونور في دراسة له بعنوان «الصوت المتفرد» أبعد من ذلك ويرى «أن ما يميز القصة القصيرة، هو إحساس عارم بالوحشة أو بالتوحد الإنساني» بخلاف الرواية.
مغامرة الوعي والواقع
تبحر قصص المجموعة برمتها في بحر الجنون وتحتفي به على نحو رائع وتجعل الأنا عالقة بين ما يمليه عليها الوعي وما تشده إليها الضرورة المُلحة، التي يفرضها الواقع المرير وتأخذ ـ الأنا ـ من الماضي للبوح والهذيان، هذا إذ أمكننا واعتبرناها «سيرة قصصية» تحمل بعضا من أوزار الكاتب، أو أتوبيوغرافيا حسب رائد السيرة الذاتية الفرنسي فليب لوجون، بما هي محكي استرجاعي نثري، يستقي مادته الأولية من الذاكرة وإن تلفعت أحيانا بصيغة الـ»هو» أو الـ»أنت»، بدءًا من قصة «الرجل الذي فقد وجهه» أو الرجل الذي فقد وجهته، التي استهلها على قَدَرٍ مذهل بعبارة» أفيق باكرا، أفتح عيني، أنظر إلى الساعة… أتذكر ألا شيء ينتظرني، لا عمل، أرتب الأشياء في رأسي عبثا لأعثر على سبب يجعلني أغادر بيتي في هذه الساعة». وانتهاءً بقصة «امرأة آيلة للسراب» التي انتهت على نحو قريب بعبارة «قلتُ لكِ أنا مجرد سراب.. وهْم». وكأن السارد يقتفي أثره وحشة وتوحدا في حدائق الخراب المملة التي لا غنى له عنها، مرورا بقصة (حالة موت) والتي افتتحها على لسان السارد الأول، «هذه المرة كان ذلك حقيقيا إلى درجة أنني صدمت صدمة فاجعة، اكتشفت هذا الصباح وعلى حين غرة أنني مت». ما يجمع بين القصتين «الرجل الذي فقد وجهه» و»حالة موت» أنهما انطلقتا من متلازمتين سرمديتين النوم والاستيقاظ، باعتبارهما القدر الذي لا مناص منه، أو الدائرة المغلقة التي يلتقي مع طرفيها النقيضين الوجود والعدم، هذا إذا اعتبرنا النوم بما هو تخلٍ يبقى مرادفا للموت أو الفناء، والاستيقاظ مرادفا للحياة بما هي بدل ومكابدة، لكن ما تحفل به القصتان يجنح إلى الضياع أو «الوحشة والتوحد» حسب فرانك أوكونور، إذ يتحول الاستيقاظ إلى فناء «يتمدد الوقت حولي ويتثاءب، تبتلعني فجوة عميقة، أنقاد لها مستسلما، صار الوقت ثقبا هائلا لا قعر له». «الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي أحسست فيها بالموت». فيما قصة «ثمرة محرمة» احتفت بـ»الوحشة والتوحد» بطريقة مغايرة، إذ أنه لم يستأنس السارد بالحب إلا من خلال النافذة وعبرها، التي صاحبت المحكي كثقب بـ»فدريش» لاكتشاف الآخر «لكنني لم أجرؤ أبدا. لأنني وببساطة شديدة لا أحدث إلا نفسي وتُحدثني كعادتي دائما منذ أمد بعيد. ربما لأنني اكتفيت بالنظر فاستأنست بذلك». كان الاكتفاء بالنظر هو السمة الغالبة عن الفعل في المجموعة القصصية، أو العزاء والعوض عن ما تطمح إليه النفس وتتوق إليه، كما قصة «مثل تفاحة مقضومة»، جاء على لسان السارد «تتدحرج أيامك فارغة، باردة، تتسع من حولك وتحيلك إلى نقطة سوداء دقيقة لا ترى بالعين المجردة».
جاء على لسان السارد «تتدحرج أيامك فارغة، باردة، تتسع من حولك وتحيلك إلى نقطة سوداء دقيقة لا ترى بالعين المجردة».
أما قصة «تفاحة حمراء» «التفاحة الحمراء بين يدي الصبي، يقربها من فمه ويعض، يقرقع صوت لذيذ، يمضغ، يعض ويمضغ، يقرقع الصوت، تنقض نفسي الأمارة بالسوء عليها وتخطفها». أما في قصة «رائحة السردين»، كانت الوحشة الحادة والتوحد الإنساني في صيغة المؤنث يرتدي لبوس امرأة بعد تجربة زواج فاشلة «عادت إلى بيت والدها ـ مطلقة ـ تحمل شبح طفلة، تحمل شظايا وقطعا متناثرة بين جوانحها، كان الأب جدارا من إسمنت مسلح، يشرب حتى يثمل ثم ينكل بما تبقى منها، تنظر إليها أمها وتبكي». إن قصص المجموعة بما هي جنوح في الغالب إلى العزلة والتفرد تحاول «قصة جبلية» أن لا تخرج عن هذا المضمار، لكن هذه المرة ربما أكثر ضراوة وقسوة، هي وحشة مجتمع الهامش أمام السلطة ورجالها المتمثلة في «المخزني» ونفوذها، وإن تخلف واختفى وراء «غمزة» بالعين أو بإيماءة مجردة «كانت مكورة مثل حبة بصل كبيرة، ترفع أنفها إلى السماء وتفتخر بأخيها «المخزني» الذي سيزجُّ بكل من يغمزها في السجن». ومن خلال تتبعنا لمسار الوحشة والتوحد الإنساني، كان الشارع شاهدا وحاضرا على امتداد رقعة المحكي باعتباره فضاءً تؤول إليه الشكاوى وتُعلق عليه الآمال، بيد هو نفسه الخصم العنيد، الذي يضع أوراقها في مكب المهملات ليسدّ بذلك الأبواب والنوافذ في وجوه الحالمين بالعبور للعيش في ألفة وانسجام في حدود المشترك الإنساني العام.
٭ كاتب مغربي