الفيلم الإيطالي «الحياة جميلة»… متلازمة الهولوكوست بين الرؤية والتجسيد

لن يتوقف الغرب عن إنتاج أفلام عن الهولوكوست، فثمة دوماً وجهة نظر يقدمها صانعو الأفلام بخصوص هذا الشأن، فثمة كم كبير من الأفلام، التي تنتج لتوثيق تجربة الهولوكوست بهدف تمكين هذا الحدث في الوعي الغربي، كما اكتساب المزيد من التعاطف، ومن أشهر تلك الأفلام الفيلم الإيطالي «الحياة جميلة» (La vita è bella) من إنتاج 1997، حيث يمكن وصفه بأنه من أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية على الرغم من تتابع إنتاج هذه الفئة من الأفلام.
تنشغل السينما الغربية، في سياق إنتاج نمط من الخطابات ذات الطابع الهادف، إلى خلق منظومة خطابية بنيوية تنهض على الجمع بين المتلفظ البصري والممارسة، وإذا كان منطق رفض الممارسة النازية واستنكار «الأوشفيتز» بوصفه ممارسة غير مقبولة، مبرراً، غير أن النكبة الفلسطينية لا تقل أهمية في تداعياتها، وتمثيلها عن تجربة الهولوكوست، التي توقف العالم لرفضها واستنكارها، حيث أسهم الفعل والخطاب الغربي المصاحب له في تفعيل منظومة التعاطف والاحتواء، وبذلك فإن قوة الحدث وافقت قيمة خطابية تمكنت من تمكينه، وإعادة تموضعه في الوعي، وبذلك لم يتحقق الانفصال بين الخطاب والممارسة، في حين أن النكبة الفلسطينية ما فتئت ترزح في مجال خطابي ضعيف، وتعليل ذلك يعود إلى ضعف الآلة الثقافية المنتجة في العالم العربي، وفقدانها للكثير من الرؤى والإمكانيات الفنية على صعيد الكتابة والإخراج، والإنتاج والتمثيل، وبذلك فقد تحقق الافتراق بين الحدث والخطاب، ليمسي الحدث فاقداً للدعامة الخطابية، حيث إن الثقافة العربية لم تتمكن إلى هذه اللحظة من وضع خطاب يرتفع ليطال حدثاً مأساوياً كالنكبة، التي تبقى في سياق التمثيل الثقافي متلاشية عن الوعي، بل إن مجمل الخطابات الخاصة بالقضية الفلسطينية شديدة التواضع، ولا سيما في ظل هذا الانقلاب عن مناصرة القضية الفلسطينية عربياً على كافة المستويات، بل ثمة اتجاه من قبل بعض الدول للتطبيع، حيث نرى تداعي البعض يسعى للتقليل من عدالة القضية الفلسطينية، بالتجاور مع انشغال الفلسطينيين بصراع داخلي على وجود سلطوي وهمي، ما يعني أن عدالة القضية الفلسطينية قد تضررت ثقافياً، إذ لم تعد تمتلك الكثير من المناخات إلا باستثناء بعض الجهود الفردية.


في ما يتعلق بتجربة فيلم «الحياة جميلة» فإن صيغ التأثير تنبثق من مستوى الموجهات الدلالية والتشكيل الذي بدا للجميع صادماً في هذا الفيلم المستوحى من كتاب بعنوان في «النهاية هزمت هتلر» للكاتب روبينو روميو سالمون، بالإضافة إلى تجربة مخرج الفيلم روبيرتو بيني الذي قضى سنوات في معسكرات الاعتقال النازية. تتجلى صدمة التلقي في الأدوات والرؤية التي انتهجها روبيرتو بينيني (الكاتب والمخرج والممثل) الذي استطاع أن ينسج رؤية سينمائية مغايرة، حيث تخفف من الملفوظات اللغوية القائمة على الحوار الأيديولوجي، أو اللغة المباشرة، مستبدلا إياها بالتجسيد القائم على مزج بنيتين: كوميدية وتراجيدية، غير أن بينهما الكثير من الجدل حول منظور فلسفي عميق للحياة، التي تنطوي في جانب منها على الكثير من الجمال، كما الحب والتفاؤل، غير أنها في النهاية تختزل في موقف واحد، ونعني التضحية، التي تشكل ثيمة محورية في العمل. فالأب تمكن من تجنيب ابنه الموت في المعتقل، في حين أن الأم تلحق بزوجها وولدها إلى المعتقل، على الرغم من أنها غير يهودية، كل هذا يأتي في مشاهد بصرية شديدة البساطة، بالتجاور مع حوارات متخففة من التنظير الأيديولوجي، ولكنها تحمل قدرا من العمق على الرغم من بساطتها.

يقدم الفيلم نقدا ساخراً للنازية والفاشية، حيث يسخر في غير مشهد من تلك الطروحات، ولاسيما في المشهد الافتتاحي، حين يقتحم بطل الفيلم «غيدو» احتفالاً أو جمعاً لاستقبال مسؤول فاشي.

يقدم الفيلم نقدا ساخراً للنازية والفاشية، حيث يسخر في غير مشهد من تلك الطروحات، ولاسيما في المشهد الافتتاحي، حين يقتحم بطل الفيلم «غيدو» احتفالاً أو جمعاً لاستقبال مسؤول فاشي، وفي مشهد آخر يذهب إلى مدرسة بعد أن ينتحل شخصية مفتش حكومي ليسخر من مقولات التفوق العرقي، ونزعات الاستعلاء التي انتشرت في أوروبا في تلك الفترة، وهناك مشهد يركب فيه حصاناً ملوناً بألوان وشعارات تتصل بالعنصرية، إنه يقدم هجاء للطروحات العنصرية والشوفينية التي انتشرت في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين.
يمكن النظر إلى بنية الفيلم على أنها تتكون من تشكيلين: الأول ذاك المنظور المُحتفي بالحياة، بما يحمله من نزعة للإضحاك، وهو يتصل بقصة حب «غيدو» (مالك مكتبة) لزوجته التي سقطت عليه من بيت ريفي، واللقاء معها في غير مكان، وغالبا ما تتسم تلك المشاهد بالبهجة والفرح، كما الجنوح إلى تصوير الروح الإيجابية للحياة، ما يسهم في تصاعد الشعور بالتحرر، الذي يصل أقصى طاقاته في وعي المشاهد، ولكن روبيرتو بنيني سرعان ما يمضي بنا بعد الزواج إلى التشكيل الثاني، ونعني تصوير أزمنة تحرك الآلة النازية، وسعيها لتغذية معسكرات الاعتقال، حيث تُساق العائلة إلى واحدة منها، وهناك يقنع الأب طفله الصغير بأن كل يحدث ما هو إلا جزء من لعبة، ومن يفوز أو يحقق نقاطاً أكثر سوف يحصل على جائزة تتمثل بدبابة، وهي اللعبة التي كان يفضلها الطفل. يبدأ الأب في العمل الشاق في المعتقل، يضحي بقوت يومه كي يطعم ابنه الذي يحرص على أن يواريه كي لا يتعرض للقتل، وهناك يصادف الأب صديقا ألمانيا، وهو الطبيب الذي كان يعرفه «غيدو» قبل سيطرة القوات النازية، غير أن هذا الطبيب لا يفعل شيئا لمساعدة الأب، حيث يبقى منشغلاً بلعبة الأحاجي.
إن الروح التي يضمنها المخرج في العمل تتمثل بالسخرية من السجان، أو الجلاد، ففي مشهد يترجم «غيدو» تعليمات السجن التي يقرأها الجندي باللغة الألمانية على أنها تعليمات اللعبة، ولاسيما أمام طفله، وباللغة الإيطالية.
يمضي الفيلم في تصوير محاولات الأب تخليص ابنه من الموت في المعسكر، ولكن الحرب تنتهي لينسحب الألمان، غير أن الأب يقع في قبضة جندي ألماني يقود الأب إلى زقاق كي يطلق عليه النار. إن قيمة هذا المشهد تتمثل برفع سوية التلقي في ما يتعلق بمصير الأب، ولكن الأهم مصير الروح المتفائلة التي يمثلها الأب، بما في ذلك الابتهاج والإيجابية، فحين يدخل الجندي الزقاق يتقدمه الأب، ومن ثم لا نرى ماذا يحصل في الزقاق، إنما نسمع فقط صوت طلقات نارية، وهنا نقع في مجال التوقع.. هل يمكن أن يموت الأب؟ تنتهي الأكذوبة التي صاغها روبيرتو بنيني بأن الحياة جميلة، حيث نرى بعد ذلك الجندي، وهو يخرج حاملاً بندقيته على كتفه، ومن ثم لا نرى الأب مرة أخرى، وهنا يتركنا المخرج لتأسيس مشهد، ولكن في وعي المشاهد، لا على الشاشة، وهنا تكمن جمالية الفيلم من حيث تحفيز أسئلة تتعلق بانهدام أفق التوقع.
تنتقل الكاميرا بعد ذلك إلى الطفل المختبئ في صندوق صغير، إذ يخرج بعد أن يرحل الجميع، وتخلو ساحة المعتقل من الضحية والجلاد، ثمة هدوء ينذر بشيء ما… ومن ثم نسمع صوت دبابة، تخرج من وراء منعطف لتقف أمام الطفل الذي يعتقد بأنه قد فاز في اللعبة، وربح الدبابة، كما وعده والده، يعتلي الطفل الدبابة الأمريكية، ويصرخ لقد انتصرنا… لقد انتصرنا.. إنه يصرخ معتقداً بانتصاره في اللعبة، يعود الطفل إلى أمه، وينتهي الفيلم على صوت هذا الطفل الذي كبر ليحكي لنا قصته قائلاً، بأن الحياة كانت هدية والده له، هذه الحياة التي نتجت بفعل تضحية الأب.

ما زلنا في العالم العربي غير منتجين لوعي فني بقضايانا، على الرغم من عدالتها، حيث لا نستطيع أن نضعها في سياق إنساني، كما لا نتقن توليدها تندرج في خطاب الوعي الكوني.

تكمن قيمة الفيلم بأنه يطلق أحاسيس مختلطة في وعي الإنسان، ولا سيما حول حقيقة أن الحياة يمكن أن تنطوي على البهجة، ولاسيما في ظل القتل والتمييز والعنصرية، وهنا يستشعر المشاهد شيئا من المرارة، خاصة لمن اختبر ممارسات عنصرية، أو معنى الاقتلاع من أرضه. فعلى الرغم من أن الفيلم يُعنى بحكاية المعسكرات والاضطهاد النازي، غير أن صوته يبدو إنسانياً، فالمزاج الذي يخلقه الفيلم يجعل أي شعب تعرض لهذا القدر من الظلم التاريخي في وضعية تساؤل، بل يسارع إلى طرح أسئلة تتصل بفداحة الخسارة التي تعرض لها نتيجة ممارسات تنهض على الكراهية والعنصرية، واستلاب حقوق الآخرين، بل إن مفهومنا للحياة يصاب بالعطب، فالمشاهد يقع حائرا بين شعورين متناقضين، لقد تمكن مخرج الفيلم بكل صيغته الشديدة الاختلاف، أن يولد شعورا قاتما للحياة، على الرغم من ظاهر عنوانه، ولكنه مع ذلك يبدو في جزء عميق مؤمنا بانتصار قيم الحق والعدالة على العنصرية والكراهية.
لا يمكن أن ننكر أن فيلم «الحياة جميلة» على الرغم من مرور السنين سوف يبقى من الأفلام التي تتميز بأصالتها، وقدرتها على الابتكار، كما أنها تنتصر لمعنى الاحتفاء بالحياة، فأهم ما يميز هذا الفيلم المنظور الذي يكاد يكون أقرب إلى نمط مغاير، فالأدوات التي أشاعت مقولات الفيلم، بدت على قدر كبير من حيث كسر توقع المتلقي، فضلاً عن اشتغاله على المفارقة، كما بدا الفيلم في إيقاعه موفقاً، حيث تبدو المشهدية البصرية، كما الموقف، وصيغ التعبير القائمة على حوار متقشف، كونها تهدف إلى استبطان الأفكار أو المشاعر، بل إن الأحاسيس تتولد في وعي المتلقي، خاصة شعوره المرتبك نتيجة التكوين الكلي للعالم الداخلي للفيلم. ولعل هذا كان مقصداً لصانعي الفيلم من الحرص على تقديم نموذج غير مسبوق، وهذا ما جعله علامة من علامات السينما العالمية، في حين أننا ما زلنا في العالم العربي غير منتجين لوعي فني بقضايانا، على الرغم من عدالتها، حيث لا نستطيع أن نضعها في سياق إنساني، كما لا نتقن توليدها تندرج في خطاب الوعي الكوني.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية