«إن ضاق بك ثوبك وأصبح خلقاً وأكلت جدته الأيام وذهبت برونقه الطبيعة فمَزقته وخلعته عن جسدك وألقيته في الأرض، فأنت في شرعة الألبسة، ثائر، ولك في عالم الحياة الطبيعية أشباه ونظائر، فإن بعض الحشرات تنمو في غطاء قرني قاس إلى أن يضيق بها فتمزقه بانتفاضة فجائية، وتخلعه عن بدنها ثم تعود فتفرز غطاء آخر أوسع منه، ولكنها تنمو ثانية في هذا الثوب الجديد حتى يصير ضيقا فتخلعه كالأول، لتكتسي بأوسع منه، وهكذا تتبدل ثوباً بثوب إلى أن تبلغ رشدها، وليس كابوس الأوضاع الاجتماعية السياسية والدينية والأخلاقية والاقتصادية متى ضاقت أو هرمت أقل إرهاقاً وإضناء من هذا الثوب أو الغطاء». هكذا يبدأ المفكر عبد الرحمن الشهبندر (1870 – 1940) حديثه عن الثورة في مقال ضمن كتاب «القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي» الصادر عام 1936.
في هذه المقالة يستصفي الشهبندر خلاصة تجربته في الثورة السورية الكبرى عـــــام 1925، ما قبلها وما تلاها، وإن لم يكتب ذلك صــــراحة. فيحاول استناداً لتجربته ولخـــلاصـــة أفكار من سبقوه اســـتخلاص قــــوانين عامة للثورات، وما يجري فيها، على اعتــبار أنها من ضمن الانقلابات الاجتماعية الكبرى، التي يصطف الناس معها أو ضدها، فيستعرض آراء الطرفين ليستخلص من التجربة قانوناً.
البرنامج الثوري
يتحدث الشهبندر عن ضرورة وجود برنامج واضح للثورة «ومن أهم شروط الثائر في نجاح دعوته للانتفاض، ألا يكتفي بما يرى من الحكومة من منكر واعوجاج، بل يتحتم عليه أن يقنع الشعب أيضاً، ويستميل إليه الرأي العام استجماعاً للقوى، فيقف الجميع جبهة واحدة وإلا ضاعت الجهود عبثاً ولم تثمر الثورة». وحسب رأيه يجب أن يشعر الشعب بالمظالم أولاً «مع إثارة روح الاستياء وزرع بذور الأمل لا بد أيضاً من تعيين الهدف أمام الرماة، حتى تجتمع نبالهم فلا تتفرق من غير طائل».
فالروح السلبية لا تأتي بنتيجة وحدها «لأن الدهماء من الناس، كما قال أحد الاجتماعيين يعرفون الشيء الذي لا يريدون، أما الشيء الذي يجب أن يريدوا فيتوقف على الزعماء والمفكرين. هذا يعني أن سواد الشعب سلبي في غايته والسلبية المجردة لا تأتي بغير الخراب، فإذا ما أريد الانتفاع بسيل السلبية الجارف، فلا بد من وضع الآلة الإيجابية عليه وتركيبها بحيث تأخذ من قوة الجريان أعظم قدر مستطاع. وتكون هذه الآلة من صنع الزعيم والخاصة من العاملين». أما الغاية التي ينشدها الزعيم، أي برنامج العمل «فلا يجوز أن تكون من مسارح الخيال الشعري المجرد، ولا تقبل التطبيق، ولكنها كذلك لا يجوز أن تكون مبتذلة حقيرة تجعل أصحابها والقائلين بها صغاراً حتى في نظر أنفسهم».
يعتقد الشهبندر أن الديمقراطية الصحيحة تمنع الثورات، لأن طريق تغيير الحكام والحكومات مفتوح بالانتخابات. وهو يفضل التغيير السلمي على الثورة .
ضرورة الأمل
يعتبر الشهبندر في مقاله أن الأمل بالتغيير، ولو كان وهمياً ضروري لازدياد الحريق لهيباً، فلا يخمد نار الثورة إلا اليأس عندما يدب في نفوس الناس، ويضرب عدة أمثلة من تاريخ سوريا فزيارة «كراين»، رئيس لجنة التحقيق الأمريكية، التي استطلعت رغائب السكان في بلاد الشام عام 1919، لدمشق عام 1922 بثت أملاً بتغير موقف أمريكا، فاشتعلت روح ثورية ضد فرنسا، رغم أن هذا الأمل لم يكن صحيحاً، لأن أمريكا بقيت على عزلتها خلف المحيط، بعد أن تراجعت عن مبادئ ويلسون فانكفأت إلى داخل حدودها. يعتقد الشهبندر أن الديمقراطية الصحيحة تمنع الثورات، لأن طريق تغيير الحكام والحكومات مفتوح بالانتخابات. وهو يفضل التغيير السلمي على الثورة «لا مراء أن الحصول على الانقلاب المنشود بالطريقة السلمية ـ متى كان ذلك ممكناً ـ لا يرغب عنه إلى الطريقة الثورية إلا الحمقى. وهل يترك السهل ويسلك الوعر إلا مضطراً، ألجأته الحوادث إلى ركوب متن الخطر». فكر الشهبندر حول طريق التغيير السلمي أم العنيف هو براغماتي: إن توفر الطريق السلمي فهو مرغوب، أو لا بد من ركوب الخطر. هو لا يضع الطريقين على طرفي نقيض، كما فعل كثير ممن أتوا بعده. المسألة حاجة واقعية.
أهمية التنظيم
«الاستياء والأمل والغاية التي يضعها الزعيم نصب العيون: ثلاثة عوامل جوهرية في حدوث الثورات، ولكنها لا تحقق الغرض وتأتي بالانقلاب المنشود، إلا متى دخلت فيها يد التنظيم، فلتحقيق الثورة لا بد من أيد قوية مارست أمزجة الناس وعرفت كيف تستولي على لبهم وتدير السفينة التي يركبونها». ويضرب مثلاً كيف هُدرت بطولات الثورة السورية الكبرى عام 1925 لافتقارها للتنظيم «فقد ألجأتنا سيرة الكابتن (كاربيه) في جبل الدروز، وخفة الجنرال (سراي) في بيروت إلى انتهاز الفرصة المبتسمة من السخط الناشئ عنهما، فباشرنا العمل وخضنا غمار الثورة قبل أن يتم تأليف (حزب الشعب) ويتم لنا بتأليفه تنظيم البلاد من أولها إلى آخرها، حتى إذا اقتضت الحال أن نضرب ضربتنا شددنا المطرقة وأرخيناها على التوالي بالأوامر المنظمة، لتقع الضربة على الرأس المقصودة، فكان إسراعنا الاضطراري هذا سببا لحرمان الوطن من اقتطاف ثمار جهوده.. ذلك للأسف أن سوريا لم تثر كلها، بل الذي ثار جزء صغير منها وفي أوقات متقطعة».
أشر الجميع حسب الشهبندر «أولئك الذين يتحينون إخفاق الثورة للنيل من كرامة الثوار وإقصائهم من حظيرة الوطنية فليس في المعجم الذي تعلمناه مفردات تدل على التدني الأخلاقي الذي بلغوه».
دون كيشوت
يعرض الشهبندر رأي الكاتب الأمريكي لوثروب ستودارد حول منشأ الثوار فيقول: إن الإنسان الثائر نوعان «الرجل الأعلى» تحلى بالميزات التي تجعله فوق البيئة التي يعيش فيها. و»الرجل الأدنى» تلطخ بالمعايب والأدران التي تجعله دون هذه البيئة، ولكنه يحصل بواسطة الثورة على ما يحسبه حقاً له ضائعاً، فالرجل الأعلى هو فرد متفوق ممتاز بما تحلى به من الخصائص، ولكنه للأسف مضلل مخدوع، حسبما يقول الكاتب الأمريكي «أما الرجل الأدنى» وهو فرد ليس فيه من بواعث الاحترام والتبجيل باعث. الرجل الأعلى حسب الكاتب الأمريكي ظاهرة من الظواهر الغريبة، فقد وضعته الطبيعة في مقدمة المدنية وأحلته في الصدر منها إلا أنه انضم إلى أعدائها. يفسر الشهبندر هذه الظاهرة بأن الرجل الأدنى من المدنية يثور عليها لأنها أرفع منه، أما الرجل الأعلى يثور عليها لأنه أعلى منها «يفعل ذلك إذا ما داخله القنوط من تقدمها البطيء وغشيته الرعشة من أخطائها المتكررة». فالرجل الأعلى أكثر شخصية محزنة في التاريخ فهو يحاول أن يرتقي بمستوى المجموع، لهذا يلتحق بالثورة، وفي البداية يحمل على أكتاف الثوار «في أوائل الانقلاب، باعتباره زعيماً لا يلبث أن يصل به فوز الثورة ونجاحها إلى نهاية فاجعة. وهو عندما يتولاه الذعر من رؤية التوحش عارياً يحاول أن يوقف سيله الجارف، ولكنه عبثاً يحاول. فيصول عليه الرجل الأدنى مزمجراً من بعد ما اتخذه درعا يحتمي بها، ويلقيها في الوحل تحت قدميه. ولكن هذا الرجل الأدنى إن عاجلاً أو آجلاً، يُغلب على أمره فتستجد الضوابط الأخلاقية، ويستقر النظام الاجتماعي من جديد»، لكنها (الثورة) في ذلك الوقت تكون قد جرفت المساوئ القديمة. ويقر الشهبندر بأنه «ليس ثمة طريقة ذات تكاليف باهظة مرعبة مثل الثورة، فالخسائر الاجتماعية والإنسانية الناشئة عنها مخيفة عادة، وكثيرا ما يستحيل تداركها وإصلاحها».
العَبيد
وفي شرحه لنفسية «الرجل الأدنى» نجده يعمل عمله ويشفي غلته غير ملتفت إلى العواقب، مهما كانت خطيرة. وهو لا يكره المدنية فقط، بل يكره المتمدنين أنفسهم أيضاً، فنراه يوجه جنونه ويلقي جام غضبه على الأفراد، كما يلقيه على الأوضاع. ويكون الرجال الأعلون المتفوقين هدفه الخاص وفلسفته المستولية على لبه، هي بالاختصار «المساواة» دائماً وهو يسعى لتحقيقها بقطع جميع الرؤوس البارزة التي ترتفع عن رأسه ارتفاعاً بيناً». ويبدو أن الشهبندر موافق على جميع استخلاصات الكاتب الأمريكي، لكنه يفرق الثورات الاجتماعية عن الثورات لرفع النير الأجنبي، رغم أن التاريخ اللاحق أثبت أن لا فرق. لكن الشهبندر وإن أقر أن في كل ثورة شيء من الشر. كما يقول معارضوها، فهو يقول إن فيها شيئا من الخير أيضاً.
الشهبندر ينتقد الثورات من موقعه داخلها، فهو معني بمصير أمته شارك في ثوراتها، فلا يعيب الثورة كل ما سبق ولا اندساس الوصوليين فيها. ومقابل تشريحه للثورة يصب الشهبندر جام غضبه على الذين وقفوا متفرجين على مقاعد الاحتياط، فاعتبروا أنفسهم وسطاء بين الثوار والسلطة العاتية «لا لمصلحة البلاد وتقريبها من غايتها السامية، بل لضمان مقاعد يجلسون عليها، ومصالح خاصة يقبضون على ناصيتها، وهكذا لا يتعففون أن يتخذوا من أشلاء شهداء الوطن سماداً لأراضيهم وريا لبساتينهم». لا شك أنه هنا يشير إلى الوجهاء وقادة الكتلة الوطنية اللاحقين الذين طرحوا أنفسهم في موقع ثالث بين الاحتلال الفرنسي وثورة 1925 واتخذوا وضعية الوسيط قبل أن ينجلي غبار تلك الثورة، بعد أن وصل المفوض السامي الفرنسي الجديد دي جوفينيل إلى بيروت مطلع ديسمبر/كانون الأول 1925. فما إن جاد لسانه ببعض الحلاوة مظهراً استعداده للتفاوض مع الثوار، حتى التقط الإشارة قادة الكتلة الوطنية المستقبليين وأعلنوا استعدادهم للتوسط بين سلطة الانتداب والثوار. لكن أشر الجميع حسب الشهبندر «أولئك الذين يتحينون إخفاق الثورة للنيل من كرامة الثوار وإقصائهم من حظيرة الوطنية فليس في المعجم الذي تعلمناه مفردات تدل على التدني الأخلاقي الذي بلغوه».
٭ كاتب سوري