جائزة البوكر… غيوم كثيفة مُحمَّلة بالمفاجآت

حجم الخط
1

أبوظبي ـ «القدس العربي»: يكون قرّاءُ الرواية العربية، غدًا الثلاثاء 23 أبريل 2019، على موعد مع الإعلان عن الرواية الفائزة بجائزة «بوكر» العربية في دورتها الثانية عشرة التي ترأّس لجنة تحكيمها المغربي شرف الدين ماجدولين وضمّت الأعضاء فوزية أبو خالد وزليخة أبوريشة ولطيف زيتوني وتشانغ هونغ يي. وكانت هذه اللجنة قد أعلنت خلال مؤتمر صحفي عقد في المسرح الوطني الفلسطيني بمدينة القدس في شهر فبراير الماضي عن روايات القائمة القصيرة وهي «الوصايا» للمصري عادل عصمت، و«النبيذة» للعراقية إنعام كجه جي، و«بريد الليل» للبنانية هدى بركات، و«صيف مع العدو» للسورية شهلا العجيلي، و«شمس بيضاء باردة» للأردنية كفى الزعبي، و«بأي ذنبٍ رحلت» للمغربي محمد المعزوز. وقد اجتهدنا في أن نعرف آراء النقّاد في روايات هذه القائمة القصيرة، واخترنا من ذلك رأيَيْن: أحدهما للناقد ممدوح فرّاج النابي، وقد خصّ به رواية «الوصايا»، وثانيهما للشاعر خالد مطلك وتمحور حول رواية «النبيذة»، وهما روايتان من المرجَّح أن تفوز إحداهما بجائزة البوكر في دورتها الراهنة.

رواية الأجيال

كتب الناقد ممدوح فرّاج النابي تدوينة بصفحته الفيسبوكية جاء فيها قوله إنّ روايات عادل عصمت تتسم بأنها تنتمي إلى عالم خاص به ينسجه على مهلٍ ورويّةٍ، وبلغة صافية عذبة، تحضر فيه باطراد مدينةُ طنطا بشوارعها وأحيائها، وأيضًا بإنسانها، وحواريها، وكأنّه مَعني بشكل كبير، بوضع المدينة الصغيرة على خارطة المدونة السرديّة، ليس بتاريخها، وإنما بحكاياتها وعوالمها المتميزة، وهو ما يُحسب له، فمع كثرة أعماله القصصية والروائيّة، إلا أن لديه الكثير من الحكايات المتنوّعة التي لا تتشابه مع ما حكاه من قبل، عن هذه العوالم التي لا يعرفها أحد. ويضيف الناقد قوله: «فكرة الخلاص أو التحرّر واحدة من الأفكار التي اشتغل عليها عادل عصمت في كثير من أعماله، وهي متحققة بشكل كبير في رواية «الوصايا» الصادرة عن الكتب خان 2018، كما أن الرواية تنتمي إلى ما يُسمّة «رواية الأجيال»، وهي ثيمة متحقّقة -وإنْ باستحياء- في الرواية المصرية، وفي ظني أن كثيرًا من كتابات عادل عصمت الروائيّة، تدور حول هذه الفكرة؛ حيث سعى الأجيال الجديدة لكسر الأبوية المفروضة من هيراركلية الحكم داخل الأسرة. عالم القرية حاضر ويستعيده الكاتب بكل ألقه، كما يتجلّى هذا العالم في حالة التناغم والالتصاق بين الإنسان ومكانه، فتقدّم الرواية صورة نموذجيّة للعلاقة النفسيّة بين الشخصيات والمكان، فالشيخ عبد الرحمن يرفض بناء دار جديدة، وما أن يوافق مُضطرًا، لا تألفُ روحه هذه الدار الجديدة، ويهرب إلى بيت حبيبته القديمة الست كوثر.

تُربك انعام كجه جي في رواية «النبيذة» أفق التوقع الذي يرافق قراء أعمالها السابقة، حيث تغيب اللغة الصحفية اليومية، لصالح بناء بلاغي رصين، ربما استعارته من لسان بطلتها «تاج الملوك»

تتردد داخل الرواية أجواء من العوالم الصوفيّة، وكذلك أجواء انهيار العوالم؛ كما في شخصيتي الحاج كريم في «أيام الإنسان السبعة»، والشيخ عبد الرحمن سليم في «الوصايا». فشخصية الشيخ عبد الرحمن تتماثل مع شخصية الحاج كريم دون أن تتقمصها، في إدارته الحكيمة لشؤون العائلة بعد مصابها الكبير، والأول في إدارته لشؤون جماعته الصوفية. وإن كان الشيخ عبد الرحمن استطاع بجلده وذكائه وعمله الدؤوب استعادة بعضٍ ممّا فقدته العائلة، والأهم إدارته لشؤون الجماعة الريفيّة، سواء بصورة رسمية كما تجلى في رئاسته للجمعية الزراعية، أو بقدرته على حل النزاعات العائلية على الأراضي؛ بخبرته التي اكتسبها من عمله كقبانيّ. حتى الوصايا التي صبّها الشيخ عبد الرحمن على حفيده، كانت أشبه بتلك التي مرّرها الحاج كريم لأهل الحضرة ولابنه عبد العزيز أثناء الجلسات أو في الرحلة إلى طنطا».

الجَمال القاسي

جاء في تدوينة للشاعر خالد مطلك قولُه إنّ انعام كجه جي تُربك في رواية «النبيذة» أفق التوقع الذي يرافق قراء أعمالها السابقة، حيث تغيب اللغة الصحفية اليومية، لصالح بناء بلاغي رصين، ربما استعارته من لسان بطلتها «تاج الملوك» التي أتقنت العربية الكلاسيكية عبر حفظ عيون الشعر العربي في مجلس زوج أمها، حتى ليخيل إليك أحيانا إنك تقرأ «آلام فيرتر» بترجمة أحمد حسن الزيات، حيث اللغة المعجمية وإيقاعها المدوي وانسيابيتها الهادرة». ويضيف قولَه: «تتمركز رواية النبيذة بؤرتها السردية حول حياة سيدة، عاشت مراحل تطور الدولة العراقية الحديثة وأفولها. فإنعام كجه جي بغدادية مسكونة بفكرة بغداد الحلم، والمقترح الملكي لظهورها كعاصمة فريدة ومتفردة في الشرق الأوسط، يستهويها كثيراً أن تعيد إنتاج تلك اللحظات الفارقة في حياة مدينتها، عبر أعمالها الأدبية بشخوصها المتخيلين، أو المنقولين من الذاكرة إلى الأدب، لكننا في هذه الرواية نعيش حياة أبطال واقعيين ركنتهم الأحداث المتسارعة إلى النسيان ليقضوا سنواتهم في مدن بعيدة تفصلها المحيطات عن بعضها. بطلتُها الصحفية «تاجي عبد المجيد» وحبيبها الفلسطيني «منصور البادي» ومرافقتها في رحلة آخر العمر الشابة «وديان الملاح»، هؤلاء الثلاثة وما يدور حولهم، أو ما داروا هم حوله من وقائع مع رموز سياسية وشخصيات تصنع أو تؤثر في تاريخ بلدانها، كلّهم أشخاص حقيقيون من دم ولحم، نعرفهم جيداً ونتوقع ردّات فعلهم دون مفاجأة، والأكثر أهمية هنا، هو أن الأحداث في مجملها قد حصلت بالفعل، وحدثت من دون مبالغات. إنها رواية أرشيف وتفاصيل مروية بدقة من لسان أبطالها في الحياة. استطاعت المؤلفة أن تنقلهم من غبار الأيام المنسية إلى مستوى الفن عبر بناء سردي محكم، تتطور فيه الأحداث وتتقاطع دون ارتباك أو جنوح خارج المتن، فالحياة بحد ذاتها هي رواية تحتاج إلى خبرة وفضول صحفية متمرسة مثل إنعام وموهبة سرد من مثل التي انطوت عليها . وبدون ذلك، فان الأحداث ستبقى حكايات تروى شفاهة وتموت في النسيان. وهذه هي المهمة الصعبة، التي تكفلت بها المؤلفة، عندما انبسطت أمام عينيها مئات الوثائق، واستمعت لأيام طويلة لمئات الحكايات، لتؤلف منها عملاً فنياً يمسك بياقة القارئ حتى الجملة الأخيرة، ليس فقط ليستمع لنهاية الحكاية، وإنما ليتم معها شهقة الذهول التي رسمتها له وهو يتنقل بأنفاس متقطعة بين أغنية بغدادية ومثل شعبي وقصيدة جاهلية ومزحة محلية عراقية أو شامية، مأخوذا بسحر العبارة وقوة المفردة وهندسة انزياح الأحداث في بناء معماري، أقل ما يمكن وصفه بالمذهل، ينمو نمواً تصاعدياً مثل تونات البوليرو التي تهمين إيقاعاتها على تطور السرد، وتمنحه ذلك القدر غير المبالغ به من التشويق». ويختم الشاعر خالد مطلك رأيه في رواية النبيذة بالقول: «إنعام كجه جي بارعة في تنويع مشاهد حكايتها، تقص وتلصق وتمحو وتحذف وتطور وتسترسل، حيثما استدعت الضرورة الفنية. تهبط بك في جملة شعبية عابرة مغرقة في محليتها، ثم تحلق بك في سماء من التوهج الذي لا يستطيعه غير من تمكن من العربية وطوع معانيها لمبانيها، لا اللغة تتقدم الحدث بجمالها ولا القصة تنزاح أبعد ما هو مرسوم لها. كنت أقول إن الأدب العربي يعيش تحت سقف واطئ من المغامرة، حتى انتهيت من النبيذة، ورأيت الغيوم الكثيفة محملة بالمفاجآت».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية