الجنرال أحمد علواني رجل مهم، رجل جهاز الاستخبارات في النظام المصري. رغم طلبات مساعديه بأن يبني لنفسه مسجداً في الفيلا التي يعيش فيها، صمم على الذهاب في كل صباح إلى المسجد القريب من بيته «من أجل أن يكون مع الشعب». علواني رجل تقي. لقد أدى فريضة الحج ويطلق عليه حاجّاً، ولا يشرب الكحول ولا يدخن، متزوج من المرأة نفسها منذ ثلاثين سنة، ورغم أن أصبح لها كرش، ووكلاء المخابرات الأجنبية حاولوا تجنيده بواسطة النساء، إلا أنه صمد في الإغراء.
في ذاك الصباح بعد إنهاء صلاته وذهابه إلى مكتبه، انتظره في غرفة التحقيق معتقل خاص، نشيط في أحد التنظيمات، تلقى وجبة من لكمات محققي المخابرات. علواني همس شيئاً ما في أذن المحققين، وهم زادوا ضرب المحقق معه. قاموا بربط خصيتيه بكماشة وشغلوا التيار الكهربائي. المحقق صرخ بكل قوته، لكنه واصل الهمس: «أنا لا أعرف أي شيء». «إذا لم تعترف سنحضر زوجتك إلى هنا ونعتدي عليها»، هدده علواني. المحقق لم يقل أي كلمة. علواني نفذ تهديده، وتم إدخال امرأة محجبة إلى الغرفة، ظهر أنها ضربت أيضاً. «قوموا بنزع ملابسها»، أمر علواني. «أي حلمات يوجد لزوجتك»، اهتم علواني، «بالنسبة لي أنا أفضل الحلمات الكبيرة وغامقة اللون»، أضاف وهو يأمر المحققين بخلع صدريتها. صرخت المرأة صرخة قوية، وبعد ذلك انفجر المحقق معه وقال إنه مستعد للاعتراف بكل شيء. التحقيق نجح.
علواني ليس شخصية حقيقية، بل هو أحد أبطال كتاب «جمهورية كما لو»، الذي نشره قبل سنة الكاتب المصري المعروف علاء الأسواني، مؤلف «عمارة يعقوبيان» و«نادي السيارات» الذي ترجم للعبرية. ولكن أمثاله الحقيقيين معروفون جيداً للجمهور المصري، خاصة الذين كانوا في أقبية التحقيق. «جمهورية كأن» الذي صدر عن دار النشر اللبنانية «دار الآداب» منع نشره في مصر والأردن ودول عربية أخرى. ولكن يمكن شراؤه عن طريق «أمازون».
الكتاب لائحة اتهام شديدة ضد نظام عبد الفتاح السيسي والأجهزة الحكومية، التي حسب رأي الأسواني، حطمت حركات الاحتجاج ودفنت إنجازاتها. الأسواني الذي ترجمت كتبه إلى 37 لغة يعيش في الولايات المتحدة ويعمل في تدريس الآداب. هو لا يمكنه العودة إلى مصر، فهناك تنتظره لائحة اتهام شديدة بسبب إهانة الرئيس والتحريض ضد النظام. في مقال نشره في موقع «دويتشا واللاه»، الذي ينشر فيه مقالاته بصورة دائمة بعد أن رفضت الصحف المصرية نشرها، شرح «سيدي المدعي العام، إذا كانت الجريمة التي ارتكبتها هي التعبير الصريح عن أفكاري، فأنا أتفاخر بها. ما تعتبرونه جريمة هو واجب الكاتب وشرفه. سأستمر في ارتكاب هذه الجريمة حتى نهاية حياتي».
الأسواني ليس المفكر أو الفنان الوحيد الذي لا يمكنه العودة إلى وطنه دون المخاطرة بالسجن. الممثلان عمرو واكد (الذي كتب عنه هنا) وخالد أبو النجا، تنتظرهما عقوبة السجن إذا عادا إلى مصر بسبب ما يعتبر «نشر أمور كاذبة» وتحريض ضد الدولة. في الشهر الماضي شاركا في جلسة استماع في الكونغرس وتحدثا فيها عن المس الشديد بحقوق الإنسان وحرية التعبير في مصر. بعد بضعة أيام من ذلك قرر اتحاد الممثلين المصريين طردهم من صفوفه. في بيان لرئيس الاتحاد قيل إنهما «توجها لقوى أجنبية بدون تفويض عام، من أجل الاعتماد عليها ضد إرادة الجمهور، بهدف دفعهم لدعم أجندة المتآمرين ضد أمن الدولة»، أي أنهم متهمون بالخيانة بسبب أقوالهم في الكونغرس.
رداً على ذلك، أعلنا بأنهما لا يخشيان القرار، بل وينويان تشكيل حركة معارضة مصرية في المنفى باسم «المنصة المصرية لحقوق الإنسان». واكد، بطل فيلم «سريانا» الذي مثله إلى جانب جورج كلوني، يعيش في برشلونة. في مقابلة مع موقع «الشرق» قال إنه لا يمكنه العودة إلى مصر لأنه محكوم بثماني سنوات من محكمة عسكرية. «سأعود إلى مصر عندما يكون جهاز القضاء هناك مستقلاً ومنفصلاً عن السلطة التنفيذية»، قال.
يبدو أن واكد لن يضطر إلى حبس أنفاسه في انتظار إعلان استقلال جهاز القضاء في مصر. يوم السبت افتتح في مصر استفتاء عام سيستمر ثلاثة أيام، وسيطلب فيه من أصحاب حق الاقتراع المصادقة أو الرفض على تعديلات الدستور التي ستسمح للسيسي بتولي منصبه على الأقل حتى 2030. هذه التعديلات ستمنحه الصلاحية أيضاً لتعيين القضاة، وهؤلاء سيطلب منهم التعامل مع حقوق الإنسان ومع مخالفات من النوع الذي به متهم رجال فكر وممثلون وصحافيون. في آذار طلب السيسي من الدول الغربية أن تدفع لمصر ما تستحقه مقابل الفائدة التي تحصل عليها هذه الدول من الأدمغة المصرية التي هاجرت إليها، وتساهم في اختراعاتها. يمكننا التخمين أن واكد وأبو النجا والأسواني وكثير من الأدمغة المصرية اللامعة لن يجدوا أنفسهم في قائمة المساهمين المحتملين في صندوق الدولة.
تسفي برئيل
هآرتس 22/4/2019