دمشق – «القدس العربي»: لم تتحول العلاقة بين حليفي النظام السوري، الروسي والايراني إلى مرحلة تحالف استراتيجي، بالرغم من اجتماعهما على هدف دعم نظام الحكم والحفاظ عليه، فثمة مؤشرات كثيرة على خلاف الأجندتين وبقائها في حالة تنسيق المصالح، ما حافظ على العلاقة الروسية – الإيرانية، متأرجحة، تكشف عن مدى تناقضات الدورين بين الرؤى والمصالح.
ونظراً لتاريخ العلاقات بين البلدين في سوريا، الذي أخذ طابع التعاون تارةً والتزاحم تارة أخرى، إلا أن التنافس بينهما انحرف أحياناً إلى مواجهة عسكرية في عدد من المناطق التي تنتشر فيها القوات الروسية والإيرانية ابرزها حلب ودير الزور، دون اهمال التنافس الاقتصادي على الموانئ والموارد، وهذا مرده حسب خبراء ومراقبين لـ»القدس العربي» إلى وجود مشكلة لا تصل إلى حد الخلاف، محورها النظرة الروسية إلى المصالح الامنية الإسرائيلية التي تتناقض مع التغلغل الإيراني في سوريا.
خبير لـ «القدس العربي»: النظامان السوري والإيراني توأمان سياميان من الوهم فصلهما
لم يكن اختلاف المصالح خفياً برأي القيادي في المعارضة السورية فاتح حسون، فإيران ترى في بقاء بشار الأسد هدفاً أساسياً، فهو بالنسبة اليها «خط أحمر» بينما يمكن لموسكو ان تتجاوز هذا الخط التي تعتبره وسيلة تخدم مصالحها، وانطلاقاً من نقطة الخلاف هذه، يقول القيادي إن «روسيا تعتبر الأهمية الأكبر هي لبقاء الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية، من دون أن يعني ذلك بقاء الأسد لفترة طويلة على رأس الحكم، فهي تسعى إلى تحقيق مكاسب ميدانية، وفرض سياسة الأمر الواقع بموجبها على كل من المعارضة السورية والمجتمع الدولي وأن يكون سقف الحل السياسي تشكيل حكومة وطنية يشارك فيها النظام والمعارضة».
تباين
من معالم التباين بين الروس وإيران أيضاً، حسب حسون، عدم رضى الأخيرة من كل الاتفاقيات التي توصلت إليها روسيا بدءًا من اتفاقية وقف الاعمال العدائية التي توصلت إليها بالتعاون مع واشنطن في السابع والعشرين من شباط 2016 وصولاً إلى مفاوضات مناطق خفض التصعيد وكيف أقسم المندوب الإيراني في مؤتمر «أستانة-6» بأنه لن يتم اتفاق ادلب وستعمل إيران على تخريبه حسب الخبير حسون.
ولكن بالرغم من تعاظم هذا الصراع، الا انه من المبالغة برأي المحلل الاستراتيجي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس خطار بو دياب، الحديث عن «تباين روسي ايراني دون ان يصل إلى حد الخلاف» ومرد ذلك حسب نظرته «ان كل ارض تضم قوى مسيطرة سواء محتلة او ذات نفوذ، لا بد من حصول صراع بين هذه القوى من اجل النفوذ».
واعتبر الخبير لـ «القدس العربي»، انه لا يمكن الحديث عن حلف استراتيجي روسي – ايراني، او تغطية روسية لمعسكر «الممانعة» فروسيا ادارت منذ أيلول سبتمبر 2015 تقاطعاتها على الساحة السورية، عبر عامل مشترك مع إيران على الارض وعبر ترك إسرائيل تلبي مصالحها الامنية، وعبر التنسيق مع تركيا مع بدايات خلاف انتهت باتفاقية استانة، والان يمكننا القول ان هناك مصالح مشتركة جمعت بين الطرفين في الحفاظ على النظام.
من الجانب الإيراني، من اجل الحفاظ على مشروعه الامبراطوري واستخدام سوريا كجسر إلى البحر الابيض المتوسط وكمعقل اساسي للنفوذ، اما الطرف الروسي فمن اجل عودته إلى الساحة الدولية ووصوله إلى المياه الدافئة، «ومهما قيل ان الجنرال قاسم سليماني هو الذي طلب من الجانب الروسي الدخول إلى سوريا في أيلول/سبتمبر 2015 بعد تقدم قوى المعارضة في اماكن عديدة، لكن يمكننا ايضا القول ان ذلك لم يكن من السهل على روسيا القيام به، من دون تغطية إسرائيلية برز ذلك لاحقاً من خلال العلاقات الوثيقة بين نتنياهو وبوتين وكل ذلك تحت العين الساهرة الأمريكية، وبغض النظر من العين من قبل واشنطن».
تنافس اقتصادي
قبل الحديث عن التزاحم العسكري، يمكن ان نلاحظ ذلك على صعيد التهافت الاقتصادي، يعني بعد انتزاع إيران لادارة ميناء اللاذقية لمدة طويلة، هذه هي روسيا تنتزع ادارة ميناء طرطوس، ويعني هذا حسب أبو دياب انه «لم يبق لدى النظام اي ميناء يديره هو، وكنا نعلم ان ادارة الموارد تدوم 5 سنوات او مدة محددة، لكن الآن نجد هنا نوعاً من الملكية».
هناك مشكلة اساسية بين الروس والايرانيين، حسب قراءة د. أبو دياب مرجعها «النظرة إلى المصالح الامنية الإسرائيلية التي تتناقض مع التغلغل الايراني العسكري في سوريا، ولكن عندما نرى ان ما حصل اخيراً في الغارات الإسرائيلية على مصياف او حلب، ونلاحظ التنافس الروسي – الايراني في حلب والساحل، ونفهم ان إيران متمددة في عمق الاراضي السورية شمالاً وجنوباً وغرباً، وعندها نفوذ كبير في الميادين والبوكمال على خط طهران – بغداد – دمشق – بيروت، لذلك المسألة ليست بهذه السهولة» فقد تحصل اشتباكات ويحصل أخذ ورد، ولكن أبو دياب قيّم الوضع ان «ما بين نظام بشار الاسد والجمهورية الايرانية كناية عن توأم سيامي من الصعب فصله، لذلك هناك وهم روسي بإمكانية الفصل، فالمسألة ستتطلب المزيد من الوقت وهناك مناورات يجب ان لا تحجب الرؤية لانه مهما كانت التباينات هناك مصلحة مشتركة روسية – ايرانية على الساحة السورية، حتى اشعار آخر».
اشتباكات
وكانت اشتباكات عنيفة دارت يوم السبت الفائت بين المليشيات الإيرانية والقوات العسكرية الروسية في مدينة حلب أسفرت عن قتلى وجرحى. وحسب مصادر مطلعة لـ «القدس العربي» فقد وصل العديد من قتلى وجرحى الطرفين إلى المشفى الجامعي وسط المدينة جراء الاشتباك الذي دار في محيط مطار حلب الدولي وحي الخالدية في مدينة حلب، كما تم سماع أصوات الاشتباكات في عدد من أحياء حلب.
كما شهِدَت المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، في محافظة دير الزور صراعاً محتدِماً بين الحليفين الرئيسيين للنظام السوري، روسيا وإيران حسب القيادي في المعارضة السورية فاتح حسون، وقد حاول كلاهما إثبات وجودهما في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية اقتصادياً وجغرافياً في المنطقة والسيطرة عليها. «وبدا التوتر واضحاً بين روسيا وإيران خلال معركة كسر الحصار المفروض على محافظة دير الزور في نهاية عام 2017، بعدما منعت القوات الروسية وسائل الإعلام الإيرانية وحزب الله من دخول مدينة الميادين التي استعادها النظام. وزاد النزاع بين روسيا وإيران في المحافظة تدريجاً، منذ بداية عام 2018، وقد شمل ذلك عمليات اغتيال واعتقالات استهدفت الجماعات العسكرية على الجانبين.
كما شهدت منطقة سهل الغاب في ريف حماة الغربي، مواجهات بالوكالة بين الروس والإيرانيين، بعناصر سورية، مثلتها الفرقة الرابعة في جيش النظام وميليشيات الدفاع الوطني المدعومتين من إيران من جهة، والفيلق الخامس المدعوم من روسيا من جهة أخرى – تشكّل أواخر 2016 ويضم موظفين وعسكريين سابقين وعناصر المعارضة الذين قبلوا بالمصالحة.
ويعود الصراع حسب القيادي في المعارضة السورية فاتح حسون إلى الاختلافات في مقاربة روسيا للتدخل إلى الهيمنة الروسية على إيران في سوريا، فقد ركزت روسيا جهودها على إعادة تأهيل المؤسسات العسكرية الرسمية، وخاصة الجيش، لكي تصبح هذه المؤسسات قوى أكثر فاعلية، كما حاولت روسيا جذب الشباب السوري للالتحاق بالخدمة بُغيةَ التغلّب على أزمة الثقة السابقة في المؤسسة. بينما وجهت إيران طاقاتها لنشر نفوذها من خلال العقيدة الدينية، ومن خلال وجود الميليشيات التي تعمل خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، مثل الحرس الثوري الإيراني، والميليشيات الأخرى، ولم تصبح هذه الميليشيات في نهاية المطاف منتظمةً وفقاً لآيديولوجية مشتركة، كما حاولت إيران اتباع سياسات تُعزز التغيير الديموغرافي، مما جعل المجتمعات المحلية تستاء من تورط إيران في الحرب، وقد ساهمت هذه التحركات في عدم الاستقرار في سوريا على المدى القصير، وهو ليس في مصلحة روسيا على المدى الطويل.
إضافة إلى النفوذ والمكاسب، فروسيا وحلفاؤها كان لهم اليدُ العليا في معركة المعابر النهرية التي تربط المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، وذلك بعد طردِ الميليشيات المتحالفة مع إيران والتي كانت تسيطر سابقاً على المعابر النهرية، وأهم هذه المعابر هي الشميطية والجنينة في الريف القريب من غرب دير الزور، بالإضافة إلى معابر الصالحية، ومراط، ومريعية، وبقرُص في الأجزاء الشرقية من الريف، ويمكن للمعابر النهرية أن تُدِرَّ أرباحاً ضخمة يومياً بسبب تهريب الوقود والمواد الغذائية بين ضفتي نهر الفرات.
علاوة على محاولة منع إيران من فرض سياسة الأمر الواقع وذلك باتفاق دولي، وهو ما تحدث عنه حسون بالقول «تسعى إيران إلى السيطرة على كامل محافظة دير الزور، التي تشكل خط وصل ما بين المناطق السنية في العراق وسوريا، فضلاً عن رغبتها في السيطرة على المناطق الحدودية. كما تحاول بسط نفوذها في درعا والجنوب السوري لتأمين عمق استراتيجي لميليشيا حزب الله اللبناني. ومحاولة روسيا انتزاع سيطرة الميليشيات الإيرانية على أغلب المواقع العسكرية في حلب، حيث يوجد فرق كبير في ميزان القوى فحلب هي قاعدة عسكرية إيرانية ومركز عمليات للقوات الإيرانية التي يقودها ضباط من الحرس الثوري».