إسطنبول ـ «القدس العربي»: لم تمر ساعات قليلة على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البدء بإنهاء الإعفاءات لمشتري النفط الإيراني، حتى أعلنت تركيا بشكل قاطع أنها لن تحترم العقوبات الأمريكية المفروضة على واردات النفط الإيراني، وذلك في تجديد للموقف التركي الرسمي المبني على أسباب سياسية واقتصادية هامة.
وكتب وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو على «تويتر» أن «تركيا لا تقبل العقوبات الأحادية الجانب ولا الإملاءات المتعلقة بطبيعة العلاقات التي نقيمها مع جيراننا»، مشدداً على أن خطوة الولايات المتحدة لإنهاء الإعفاءات «لن تخدم السلام والاستقرار الإقليميين».
وكان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قد شدد على أن الولايات المتحدة ستعاقب الدول التي تشتري النفط الإيراني بعد الثاني من أيار/مايو دون أن يوضح نطاق العقوبات. وقال للصحافيين «أوضحنا أنه إذا لم تلتزم بهذا فستكون هناك عقوبات. نعتزم فرض العقوبات»، وهو ما يفتح الباب أمام أزمة جديدة وقريبة بين أنقرة وواشنطن.
ومنذ سنوات، تتصدر تركيا دول العالم المعارضة للعقوبات الأمريكية على إيران لا سيما فيما يتعلق بمنع طهران من تصدير الطاقة وذلك لأسباب متعددة أبرزها اعتماد تركيا على إيران بشكل أساسي في سد احتياجاتها الضخمة من النفط والغاز الطبيعي.
وعلى الرغم من أن تركيا كانت أبرز الدول الثمانية التي حصلت على استثناء أمريكي يسمح لها بالاستمرار في استيراد النفط والغاز من إيران لفترة معينة، إلا أن أنقرة أكدت منذ أمد طويل أنها لن تلتزم بهذه العقوبات على الإطلاق حتى عقب انتهاء فترة الاستثناء الأمريكي.
وفي تصريح سابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال إن بلاده «لن تلتزم قطعاً» بالعقوبات الأمريكية على إيران حتى بعد انقضاء فترة الاستثناء الأمريكي، ولفت إلى أن بلاده «ترفض العقوبات لا سيما المتعلقة بأمور النفط الذي لا غنى عنه»، ومشيراً إلى أن بلاده تستورد الغاز من إيران ولا يمكنها ترك مواطنيها عرضة للتجمد في برد الشتاء امتثالاً للعقوبات.
هذا الرفض التركي «القطعي» للالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران ينبع من مدى اعتماد تركيا الفقيرة بمصادر الطاقة على إيران بشكل أساسي في استيراد النفط والغاز الطبيعي من إيران وبأسعار نقل أقل من غيرها لقربها، وذلك على الرغم من المتاعب السياسية والاقتصادية التي يمكن أن يسببها لها هذا الموقف.
وعلى صعيد النفط ومشتقاته، وحسب تقرير الدولة الرسمي حول واردات النفط التركية لعام 2017 الذي اطلعت عليه «القدس العربي»، فإن إيران تتصدر قائمة الدول التي تستورد منها تركيا النفط ومشتقاته المختلفة وبفارق كبير عن الدول الأخرى.
ويظهر التقرير أن تركيا استوردت من إيران عام 2017 حوالي11.5 مليار طن من المشتقات النفطية. وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، وحسب تقارير الدولة الرسمية لعام 2017 التي اطلعت عليها «القدس العربي»، فإن تركيا تعتمد بالدرجة الأولى في تأمين احتياجاتها الهائلة من الغاز من روسيا بالدرجة الأولى بنسبة تصل إلى 52٪، بينما تحل إيران بالدرجة الثانية مباشرة بنسبة تصل إلى 17.
وبشكل عام تعتبر تركيا واحدة من أكثر الدول المستوردة للطاقة في العالم لافتقارها للموارد الطبيعية وضخامة استهلاكها، ويعتبر استيراد البترول والنفط من الخارج عامل الاستنزاف الأكبر لخزينة الدولة، وهو ما دفع أنقرة لتعزيز مساعيها للبحث عن الموارد الطبيعية في شرقي البحر المتوسط رغم مخاطر أن يؤدي ذلك إلى صدام مع اليونان، إلى جانب بدئها العمل على إنشاء أكثر من محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية للتقليل من اعتمادها على الخارج، بالتوازي مع مساعيها لتعزيز اعتمادها على الطاقة النظيفة.
وحسب الأرقام السابقة، فإن إيران تعتبر المزود الأول للبترول والثاني للغاز الطبيعي إلى تركيا وهو ما يجعل من إمكانية تخلي تركيا عن النفط والغاز الإيراني عملية شبه مستحيلة ويمكن أن تؤدي إلى نقص حاد جداً في السوق التركي.
إلى جانب ذلك، لا يبدو من السهل بحث تركيا عن بدائل للغاز والنفط والإيراني فالكمية المطلوبة كبيرة. فيما يمكن لروسيا وجورجيا سد جزء من الاحتياجات التركية من الغاز، لا يعرف كيف يمكن لأنقرة تأمين الـ27٪ من البترول الذي تستورده من إيران من مكان آخر دون الحاجة لمد خطوط نقل جديدة وهو ما يحتاج لسنوات من التخطيط والتجهيز.
بالإضافة إلى ذلك، تعتبر أسعار النفط والغاز الإيراني من الأفضل لتركيا في المنطقة لقربها وقصر مسافة النقل بين البلدين، لا سيما وأن ذلك يأتي في الوقت الذي خسرت فيه العملة التركية قرابة 40٪ من قيمتها ما رفع فاتورة واردات الطاقة بشكل هائل على الحكومة التركية كونها تستوردها بالعملات الأجنبية، وبالتالي فإن الاقتصاد التركي لم يعد يحتمل أي ارتفاع جديد في تكاليف فاتورة واردات الطاقة مع وصول نسبة التضخم في البلاد إلى قرابة 30٪.
وإلى جانب ذلك كله، تعتبر تركيا أن العقوبات الأمريكية مقدمة لمخطط أوسع لإحداث الفوضى في إيران وتخريب النظام السياسي فيها وهو ما تعارضه تركيا بقوة وتعتبره تهديداً مباشراً على أمنها القومي، ويقول كتاب أتراك: «رغم اختلافنا الشاسع مع إيران ولكن إذا سقطت ستكون تركيا الهدف المقبل».