مثقفون عراقيون يطالبون بمجتمع مدني وإبعاد وزارة الثقافة عن المحاصصة الطائفية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: مئات المثقفين العراقيين قرروا إعلان كلمتهم خلال مؤتمر أسموه استثنائياً من أجل بناء مجتمع مدني وإخراج وزارة الثقافة من المحاصصة الطائفية التي جعلت من وزير الدفاع وزيراً للثقافة في وقت واحد.
الثقافة التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى هامش في الحياة السياسية العراقية، فضلاً عن عدِّ وزارتها بـ(التافهة) بحسب تعبير أحد السياسيين،بعد أن خصصت للأحزاب السنية ضمن نظام المحاصصة، فاستوزرتها شخصيات لا علاقة لها بالفكر والأدب والفن، ابتداءً من نوري الراوي الذي كان ضابطاً عسكرياً وصاحب معمل لعلف الحيوان، ومروراً بأسعد الهاشمي الذي اتهم فيما بعد بجرائم قتل وإرهاب، ما أدى إلى هربه خارج العراق من دون أن يعرف مكانه حتى هذه اللحظة، وصولاً إلى وزير الثقافة الحالي سعدون الدليمي، الضابط، ووزير الدفاع في وقت واحد. فقد أكد أغلب موظفي وزارة الثقافة أنهم لم يروا الوزير في مكتبه على مدى أربع سنوات، منذ أن عيّن وزيراً للدفاع وكالة وحتى الآن، أما أوقات الاجتماع بالمدراء العامين، فيذهبون له للقائه في مكتبه بوزارة الدفاع وليس الثقافة.
ومن هذا المنطلق دعا المثقفون العراقيون خلال المؤتمر الاستثنائي لهم، والذي عقده اتحاد الأدباء في فندق بغداد وسط العاصمة، بمشاركة المنظمات الثقافية العراقية، إلى مراجعة العملية السياسية برمتها وتلمس أسباب الإخفاق والفشل التي اعتورت التجربة السياسية في المرحلة السابقة من خلال اعتماد مبادئ الشفافية والمكاشفة والنقد الذاتي وصولا إلى تعزيز تلاحم كل مكونات شعبنا العراقي من العرب والكرد والتركمان والسريان والإيزيديين والشبك والصابئة في عراق موحد يحترم الخصوصيات والاختلافات مثلما يحترم المشتركات، ويؤمن بالدستور الذي أقره الشعب العراقي في 2005 وبالقوانين التي تكفل تحقيق مجتمع الحرية والعدالة والمساواة لجميع أبناء الشعب العراقي بغض النظر عن الجنس والدين والقومية والطائفة والاتجاه السياسي.
وأشار المشاركون في المؤتمر إلى أنه من أجل تمكين المثقفين العراقيين من القيام بدورهم هذا نكرر مطلبنا الخاص بإخراج وزارة الثقافة من المحاصصة الطائفية والسياسية بإيجاد تشريعات قانونية لدعم النشاط الثقافي وحمايته وتشجيعه، ونؤكد على أهمية الأخذ بمقترحنا الخاص بتشكيل مجلس أعلى للثقافة يرعى النشاط الثقافي غير الرسمي في بغداد وبقية المحافظات وبشكل خاص نشاط الاتحادات والروابط والنقابات الأدبية والفنية، ويكون ظهيراً لوزارة الثقافة ولا يتقاطع معها أسوة بما نجده في عدد من البلدان العربية مثل مصر والكويت، خاصة بعد أن أعلنت وزارة الثقافة في اجتماعها مع قيادة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صراحة عدم مسؤوليتها عن دعم النشاط الثقافي وأنها معنية بإدارة نشاط دوائرها ومديرياتها فقط، كما ندعو إلى استكمال بناء البنية التحتية المتخلفة أو المهدمة للثقافة من خلال تأسيس مراكز ثقافية ومقرات للاتحادات الأدبية والفنية المختلفة في بغداد وفي بقية المحافظات والمدن العراقية وبناء المكتبات العامة ومراكز الأبحاث والدراسات وتوفير دور للعرض السينمائي والمسرحي وقاعات للفن التشكيلي ومراكز للبحث العلمي والتطبيقي للموهوبين الشباب بشكل خاص في مجال دعم الاختراعات وحماية براءات الاختراع قانونياً وحماية حق الملكية الفكرية.
وبيّن المؤتمرون أن بعض القوى المشاركة في العملية السياسية الديمقراطية لم يكن يؤمن إيماناً حقيقياً بالديمقراطية وظلت تحمل مفاهيم فئوية وبيروقراطية ومركزية لإدارة الدولة، وتخيلت أن السبيل السليم للمشاركة في العملية السياسية الديمقراطية يمر من خلال شرعنة آلية المحاصصة السياسية مما يؤدي إلى تقاسم المراكز والمسؤوليات والوظائف ـ حصراً ـ من قبل القوى السياسية بعيداً عن قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب وتهميش معظم شرائح الشعب العراقي وفي مقدمتها شريحة المثقفين العراقيين وتحولت الوزارات والمؤسسات المدنية والعسكرية إلى إقطاعيات وولاءات حزبية وطائفية وقومية وعشائرية ابتعدت عن روح العدالة والمساواة، وما زاد الطين بلة تفاقم مظاهر الفساد المالي والإداري في معظم مرافق الدولة، فنشأ جيل من الساسة ورجال الإدارة وحتى من رجال المؤسسة العسكرية ارتضى الحصول على المكاسب والامتيازات والرواتب العالية والأعطيات مما أبعدهم عن الإحساس بواقع المواطن العادي.
وأكد المثقفون في مؤتمرهم أن أحد المنطلقات الأساسية لبناء مجتمع ديمقراطي سليم يتمثل في التخلي عن آلية المحاصصة الطائفية التي كانت تنظر إلى مؤسسات الدولة بوصفها ممتلكات خاصة لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه الطائفة أو القومية أو تلك، وهذا يعني فسح المجال أمام مشاركة أبناء الشعب العراقي كافة في تسنم المسؤوليات وعدم حصرها في أعضاء الأحزاب المتحاصصة، وحبذا لو توكل الوزارات والمسؤوليات الأساسية إلى متخصصين وتكنوقراط يمتلكون الأهلية والكفاءة لإدارة مؤسسات الدولة بروح العدالة والمساواة والقانون، وهو مبدأ لا يتنافى مع إشراف القوى المشاركة في العملية السياسية على ضبط التوجهات الإدارية والسياسية بما يخدم تحقيق إدارة ديمقراطية مرنة ولا مركزية لمؤسسات الدولة العراقية.
و رأى رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، الناقد فاضل ثامر، أن المثقفين يجب أن يتحولوا إلى قوة حقيقية، ويأخذوا دورهم القادر على فرض مطالب الثقافة على المشاركين في العملية السياسية. مبيناً أنه منذ تغير النظام السابق وحتى الآن ظلت المؤسسة السياسية تتجاهل دور المثقف العراقي، «لقد لاقى المجتمع العراقي بشكل عام الكثير من المحن جراء السياسيات الطائفية التي تتجاهل الوعي والثقافة والتنوير، ونقول لهم يجب أن ندرس بعناية ما مر بنا من محن وتجارب، ونعرف أننا بحاجة لمن يتمسك بالمشروع الديمقراطي الحقيقي لا المشروع العبثي للديمقراطية، والصعود إلى مجلس النواب ومن ثم تلغى كافة الإجراءات الديمقراطية التي أوصلتهم لهذه المناصب». واعلن ثامر «نطالب بديمقراطية اجتماعية تحقق العدالة وتحترم من لا يشارك في العملية السياسية قبل المشارك فيها»., «لا نريد أن تتحول العملية الديمقراطية إلى طريق المحاصصة الطائفية. يجب أن تكون لدينا مجموعة أهداف تصب في ذلك الطريق للخروج من هذه المحنة التي نمر بها، وفي مقدمتها جمع الصفوف من أجل تطهير ترابنا الوطني من كل العناصر الإرهابية، وأولها الإسلام السياسي الذي أساء له الإرهابيون الذين شوهوا الإسلام المتسامح، ونحن نرى أن الخيار الوحيد للمجتمع العراقي هو السير بطريق المجتمع المدني، وليس بطريق الأحزاب والحركات السياسية التي لا تريد للبلد أن يعيش بأمان واستقرار ووعي، فالقوى الدينية أثبتت فشلها وهي المسؤولة عن كل الإخفاقات التي نمر بها، اجتماعية واقتصادية وسياسية، والخيار الوحيد هو دولة مدنية».
أما نقيب الفنانين صباح المندلاوي، فتحدث في المؤتمر عن عشر سنوات مرت ولم يتغير شيء في العراق، «هناك الكثير من الملفات المتنوعة، تراوح في مكانها، مثل البطالة، غياب الأمن والاستقرار، نقص في الخدمات، الفساد الإداري والمالي، سوء إدارة الدولة، وجود الجهلة في مواقع المسؤولية، غياب الإجراءات الرادعة، تفشي فايروس المحاصصة الطائفية، غياب الخطط الاستراتيجية للنهوض بالبلد في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية»، مضيفاً أنه لا نبالغ إذا قلنا أن نصيب الفنانين من التجاهل ليس بالقليل، ثمة لا أبالية ونظرة قاصرة ولا حضارية في الوقت الذي تفتخر الشعوب المتقدمة والمتحضرة بمبدعيها وفنانيها، فهم حملة مشاعل التاريخ والتنوير والبناء، هم المرآة الصادقة لتطلعات وطموحات أبناء الشعب…
ومع انطلاق دورة برلمانية جديدة تمتد لأربع سنوات وتسمية الرئاسات الثلاث، أوضح المندلاوي أنه يجب أن يلقى الفنانون آذاناً صاغية للاستجابة لمطالبهم، وبما يعزز الأمل والتفاؤل في أننا نعيش عهداً جديداً له ما يميزه عما سبق، موجزاً أهم مطالب النقابة بإخراج وزارة الثقافة من المحاصصة الطائفية وتفعيل دورها بكل معنى الكلمة من خلال استقطاب الوجوه الثقافية البارزة في بلدنا، والعمل على النهوض بالواقع الثقافي ومواجهة التحديات الموجودة، وتعديل قانون نقابة الفنانين العراقيين الصادر عام 1969 والمعجل في عامي 19971 و1983، وبما ينسجم وتطلعات الفنان العراقي في حماية حريته وحقوقه ودوره الفاعل، وتفعيل قانون تقاعد الفنانين العراقيين وبما يلائم دور الرواد بعد عطاء طويل، ووفير فرص عمل للعاطلين من المثقفين والفنانين وإلغاء كل أساليب الابتزاز التي يتعرض لها المثقفون، وغيرها من المطالب.
وتحدث الكاتب عبد جاسم الساعدي، رئيس جمعية الثقافة للجميع، قائلاً انه يبدو أن طموح القوى المدنية في مجال بناء دولة مؤسسات بكفاءات علمية لا يمكن تحقيقه ما لم نسع جميعاً في النضال من أجل نشر مفاهيم الثقافة النقدية التي تعنى بثقافة السؤال النقدي والمعرفي وتقديم مشروعات عمل حقيقية تنقذ العراق من حال البطالة والتشرد والأمية والجهل بتفعيل المؤسسات الصناعية والزراعية المعطلة عن قصد، وكسر النماذج التقليدية في المناهج الدراسية. تشتغل التربية النقدية على رفع مستوى الوعي لدى الطلاب ومنحهم الفرصة الكافية في الحضور والمناقشة وإبداء الرأي، مضيفاً أن المرحلة الحالية تقترح على المثقفين والمفكرين وكل المبدعين والأكاديميين والباحثين الحضور الحيوي في ميادين الحوار والبحث والمشاركة في لجان مجلس النواب لتفعيل الرأي والانتقال إلى حكومة كفاءات وطاقات يتمتع أفرادها بالنزاهة والمواطنة والإنجازات العلمية والثقافية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية