الحراك الجزائري/ كيف سيكون الآتي؟

ينفتح الوضع الجزائري اليوم، بعد الأسبوع الثامن من الحراك، على سلسلة من الاحتمالات الجميلة؛ لأن ما يحدث كان ولا يزال قوياً وعاصفاً وسلمياً أيضاً، وهو أمر نادر هز أركان الحكم بقوة، فارضاً منطقه بسلاح الورد والحب والغناء والذكاء والسخرية. وكان من نتائجه السلمية سقوط فكــرة العهـــدة الخامســــة، وانصياع الرئيس لقرار الحراك وقبوله الاسـتقالة رغم إصراره على البقاء سنة إضافية، وحل حكـــومة أويحيى، وسقوط سلطة الحكم اللادستوري (حكومة الظل) التي كــــبرت واتسعت في دائرة الرئيـــس، بالخصوص بعد مرضه، حيث تحولت الجزائر إلى مـــزرعة عائلية وجهــــوية. لكن أيضاً ما يحدث في هـــذا الحـــراك شـــديد الخطـــورة والصعوبة، ويحتاج إلى كثـــير من التبصر والتفكير البعيد عن لحظة الحاضر السعيد، حيث تحتاج النخبة هذه المرة إلى أن تلعب دوراً كبيراً بالاسترشاد بما تملكه من وعي، وما يقوم به الحراك من شرطيات مفروطة بسلطة العشرين مليوناً لها قيمتها في الاستفادة من قوتها.
استطاع الحراك أن يمحو الكثير من الخلافات الأيديولوجية الخفية أو المشكلات الكبرى النائمة، كالمشكلات اللغوية والدينية والإثنية، وكيف سيكون عليه الدستور القادم أو الجمهورية الثانية في ظل هذا الحراك المثالي، وفي ظل الخلافات الخبيئة.
تحتاج هذه النخبة أن تكون مدركة للرهانات، وقبل ذلك يطرح السؤال المزدوج: ماذا يريد الحراك باستثناء الطلبات المعروفة المتعلقة بالباءات الثلاثة ومحاكمة بقية عناصر المافيا. السؤال الخفي هل في إمكان الجيش أن يذهب بعيداً في تهديداته ضد العصابة؟ لأن المافيا تغلغلت حتى مست كل الكيانات المكونة للمجتمع. ولنا في قصة 701 كيلوغرام من الكوكايين عِبر تقودنا نحو طبيعة العصابة الخطيرة التي وصلت إلى درجة شديدة التعفن الذي لم يترك أي قطاع بلا فساد، من الموظفة الصغيرة التي تسرق أدوات التنظيف، حتى المدير فالوزير، فالحاشية الرئاسية. الفساد مس كل القطاعات العسكرية والمدنية. يحتاج الأمر إلى كسر حقيقي والذهاب بعيداً في حسم موضوع المافيا.

لا يعقل أن يسجن علي حداد الذي عاث فساداً، لكنه في النهاية لم يكن أكثر من وسيط صغير في خدمة بقية العصابة، يغنيها ويغني نفسه.

المافيا أو السلطة غير الدستورية هي من دمر فكرة وجود دولة. حولوا الدولة إلى وسيلة لحماية تجار المخدرات والأسلحة. وطوال ولاية رئاسية كاملة، انتفت الدولة وأصبحت الجزائر بلا صوت. تتحدث كذباً وتصر على الصحة الجيدة للرئيس الذي عوضت حضوره بإطار، بينما الرئاسة في الحقيقة ليست إلا غلافاً لإضفاء الشرعية على نظام متهالك.
لا يعقل أن يسجن علي حداد الذي عاث فساداً، لكنه في النهاية لم يكن أكثر من وسيط صغير في خدمة بقية العصابة، يغنيها ويغني نفسه. لقد هدد رئيس الأركان مسؤول المخابرات السابق المدعو الجنرال توفيق الذي قليلون من كانوا يعرفون وجهه، وأدانه رئيس الأركان بشكل مباشر على أساس أنه الإنذار الأخير. ولكن يظل السؤال معلقاً.. ماذا فعل هذا الأخير بالضبط ليتلقى إنذاراً مباشراً؟ هل هناك جريمة محددة تنسب إليه؟ ما سر العلاقة بينه وبين بقية أفراد العصابة، المجموعة غير الدستورية؟ إذا فعل شيئاً، فهناك قانون يجب تطبيقه عليه، وإذا لم يفعل ما هو مضر، فهناك في النهاية قانون يستطيع أن يتخذ موقفاً. وقد أمر رئيس الأركان بضرورة تفعيل القانون وهو أمر لم يتم حتى الآن. فهل هناك ناس فوق القانون، وخارج أي محاكمة؟ أما تزال لدى القوى غير الدستورية قوة خاصة؟ هل لهذا المجتمع قوة استثنائية لا يمكن المساس بها؟ وأنها بدأت تلتقط أنفاسها وتحضر لردة فعل مستقبلية؟ وهذا أخطر سيناريو يمكن تخيله.
الحراك في مفترق الطرق، إما أن يذهب بعيداً إلى الأمام، أو يتخلف ويرفع الخناق عن العصابة التي ستكون مدمرة لكل الذين طالبوا باستقالتها. أسئلة كثيرة تطرح اليوم. كان الافتراض الكبير هو أن يقدم ابن صالح استقالته لرئيس المجلس الدستوري الذي تم تغييره، وتعيين شخصية بديلة، وطنية اجماعية نسبياً؟ وبعدها يقدم بدوي الذي لا يمكن، حسب الدستور، استقالته الشخصية وهو حق يضمنه الدستور، ويقوم الرئيس بتعيين رئيس حكومة جديد وفاقية لتسيير الأمور، أو يحتفظ بالحكومة لفترة تاريخية محددة ما دام الوقت لا يسمح وكل شيء مؤقت. ويكون المجتمع الجزائري قد تخلص من كل الباءات الرسمية التي طلب الحراك رأسها. لكن ذلك لم يحدث.
استمرت اللعبة السياسية واستمرت عملية الصم، البكم، والعمى، الطين، لا يعقلون، وكأن ما يحدث لا يعني النظام في شيء.
وبدأ الرئيس المؤقت التحضير للندوة الوطنية التي لن تصل إلى أي شيء مهما كانت نتائجها، باستقبال شخصيات هي في الأصل جزء من النظام التي تمت محاربته. لذا، في ماذا سيفيد الجدل حول الندوة الوطنية؟ ما يحدث يدفع بنا إلى التفكير في مسألة المخرج من الأزمة التي بقدر ما تستمر تتعقد أكثر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية