«إن الشرائع ألقَت بيننا إحَناً… وأورثتنا أفانينَ العَداوات وهل أُبيحت نساء القوم عن عُرُض … للعُرب، إلا بأحكام النُبوات؟» (المعري، والإحَن: الأحقاد)
ربما غدا من الضروري فتح نقاش علمي حول فكرة المعري الإشكالية هذه، وأن نبدأ من عندها في ظل حالة الاستغراب والصدمة العامة مما تقوم به داعش، وتداول أخبارها بطريقة توحي بأن الفكر السائد في المجتمعات العربية بعيد عنها لا يشبهها في شيء، رغم أن البعض المتفِق مع المعري قد يرى أنها في منطلقاتها ليست إلا امتداداً لما هو متغلغل في عروق المجتمعات العربية الإسلامية، من فكر يقوم على تقديس نص واحد أو أكثر، ويبرر باسمه أشكالاً متعددة من العنف ليس الجسدي إلا نوعا يبدو، لوضوحه وماديته، متطرفاً منها. على أي نقاش من وجهة نظري أن يُطرح بعيداً عن التسرع في قبول فكرة المعري حول علاقة العنف بالدين أو رفضها:
ـ فالتسرع من جهة الرفض يعني الغرق المتحمس في اقتباسات منتقاة تدعم فكرة أن الإسلام متسامح في جوهره، وأنه قد كرم المرأة كثيراً، وأن المتطرفين لا يمثلون الإسلام «الحقيقي» أبداً، وأن العيب هو في التأويل لا في النص، بالإضافة إلى الإصرار على وجود يوتوبيا ممكنة تستوحي نسخة نقية ماضية من الإسلام تحقق لنا جميعاً العدالة والكرامة والمساواة وتحمينا من الانحطاط السياسي والفكري والأخلاقي.
ـ والتسرع من جهة القبول يعني ربطَ العنف بالدين فقط وتجاهلَ حقيقة ارتباطه بكل الأيديولوجيات عبر التاريخ، والاعتقاد بأن الحل ليس في العودة إلى أي نقطة تاريخية انتقتها المخيلة وشذبها الحنين، لأن تلك النقطة لم تكن موجودة واقعياً يوماً، بل بالتقدم نحو تحرير النصوص المقدسة من قداستها وألوهيتها، لأن العيب ليس في تأويل النص بل فيه، والإصرار كحل أوحد على العلمَنة، التي تقول بأسبقية العقل على ما يعتبر وحياً، وضرورة سيطرة الأول في مؤسسات الدولة التي تحمل جذر «علم» في اسمها، من غير أن يشترط ذلك عدم احترام التاريخ الإسلامي بكل ما فيه.
إن فتح النقاش يتطلب الكثير من الصبر والانفتاح والحرية في احتمال كل طرف للآخر، وهو ما أراه جدلاً لا بد أن يبدأ، وإلا بقيت الأنظمة «المعتدلة» تقتات على وجود جرثومة الاستعباد الفكري في الناس وعلى إيهامهم، حين يتفشى الوباء، بأنها المضاد الوحيد لما صنعَته.
أن نبدأ من سؤال المعري يعني أن نطرح مؤقتاً جملة الأفكار والعوامل التي تخرجنا من المسؤولية المباشرة لما تفعله داعش وأخواتها؛ المسؤولية التي نلقيها كما العادة على شماعة الأنظمة المستعمرة والمستبدة، فنغرق في مبدأ رد الفعل. ليس تضامنا مع الأنظمة التي «تقاومها» الحركات الأصولية أو جهلاً بتدخل القوى العظمى بكل ما يحدث، أو بحقيقة أن جرائم هذه الأنظمة والقوى، إضافة إلى إسرائيل ليست أقل هولاً وبشاعة، بل إدراك لأن صعود هذا الفكر كبديل قوي ممتد أكثر من سواه لم يأت من فراغ، بل من مكان ربما ملأنا نصفه على الأقل تربية وتعليماً وثقافة وإعلاماً.
على أن المختلف مع المعري سيتهم فكرته بالاختزال، وسيأخذ على القول بكون مصدر العنف هو تغييب الشرائع للعقل بأنه يتجاهل البعد السياسي للصراع، وسيرى خللا في افتراض وجود عالم بلا أي سبي وعداوات لأنه بلا شرائع دينية. وسيرى أن هذا التوجه يتجاهل أهمية المقاومة، تحت راية دينية وغير دينية، في مواجهة الاحتلال والاستبداد السياسي. سيقول المخالف إن انتقاء الآيات «غير المسالمة» أو «غير المتسامحة» واتخاذها مرجعاً، ليس منفصلاً عما يفرضه الواقع، فربما لم يعد بالإمكان في مواجهة قوى بالغة الإجرام التفكير في التسامح والسلام، إلا بمعنى التخاذل عن المقاومة. نعم بالإمكان (حتى إسلاميا) اتخاذ موقف هابيل أمام قابيل على طريقة غاندي: «لَئِن بَسَطتَ إِلَيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِاقتُلَكَ». لكن هابيل قُتل، ودرءا لمصيره لا يمكن اتخاذ موقف كهذا من قبل داعش أو حماس أو غيرهما من الحركات الدينية المختلفة في غاياتها، ولو كان الدين نفسه قابلاً لأن يحمل الفكرة. وقد عبر مرة ببلاغة ساخرة عن لاواقعية مثل هذه المسالَمة في موقف علق بذهني منذ سنوات، الزميل رشاد أبو شاور الذي رد في حلقة من حلقات «الاتجاه المعاكس» حسبما أذكر على من يطالب الفلسطينيين بمقاومة سلمية: «بدك أبو مازن يجر عنزة ويدور فيها بشوارع غزة؟».
ربما في فكرة المعري شيء من اختزال، لكن لا ضرر في البدء من عندها قبل التشعب، خاصة أنها تجعلنا ننتبه (من جهة القبول) إلى أن القتل ليس إلا وجهاً مادياً من وجوه الإلغاء والإقصاء بسبب اختلاف الفكر، وليس السبي إلا وجهاً واضحاً من وجوه الانتهاك والاغتصاب الجسدي والروحي بسبب اختلاف الجنس. وسيتابع المتحمس لأبي العلاء: نحن من ثقافة قتلَت المعري قبل تمثاله، ومعه عقل الإنسان العربي وروحه وقدرته على اختراع حياة ممكنة أقل تشوها وشبهاً بالموت، يسير خبط عشواء كحيوان عليل يُظلَم من هنا فيَظلِم من هناك، وسَبَت المرأة العربية ولو كانت في عقر بيت الزوجية.
السؤال إذن هو عن مدى ارتباط التدين الحديث المدعوم بالسياسة ومؤسساتها بهذه الظواهر الاجتماعية والنفسية. إذا ما جنحنا إلى قبول افتراضي لفكرة المعري سننتبه إلى أن السلطة التي تقبل بها داعش مرجعاً فكرياً وسياسياً وتشريعياً لا تختلف عن مرجعيات الناس العاديين ولو كانوا أقل عنفا: إله المسلمين المشخصَن غير المجرد، والحاكم أو قائد الحزب المفضل، والرجل. والأول قد يقول بكل سلاسة ما يريده الثاني والثالث، أي السلطتين السياسية والذكورية، رغم أن المعري قد يصر على أن مصدر التواطؤ على الاستبداد ليس انحيازاً في التأويل، بل في النص أصلاً، وأن الخلل هو في التقديس الذي يفضي إلى جدل لاهوتي أو فقهي لم تعد، من وجهة نظري ونظر المعري لو كان حياً، له ضرورة أو قيمة كتلك التي كانت في زمن لم تكن العلوم الحديثة قد تطورت إلى ما هي عليه الآن. وربما لا تزال قيمته قائمة في فهم تاريخ المعرفة والأفكار، بل ربما في تطوير مناهج للتأويل خارج الإطار الديني، لكنها ليست في الوصول إلى معنى يتدخل في حياة شعوب لا ينبغي أن تستمر بالعيش على فتات هذه المعاني، من غير أن يخطر ببالها أن تجرب نصوصا أخرى قد ترفع من قيمة حياتها فعلاً، كأفكار المعري أو الخيام أو سواهما ممن غُيب حضورهم الحقيقي عن مفهوم التراث الإسلامي في مؤسسات التعليم. أما من غير التحرر من سلطة النص فستبقى الثقافة العربية استبدادية حتى الصميم، حسبما توحي به الفكرة موضوع النقاش، بل رغم التشعبات الفكرية والمذهبية والسياسية الممكنة داخل الإطار الديني التي تقل في بعضها القابلية للعنف ولقبول العنف، إلا أن الإنسان العربي بصورة عامة لن يختلف كثيراً عن داعـــش في هذه الجهة من الجـــــدل، بسبب التشابهات العامة في المرجعيات، وليس إذن محصناً من عنــــف يوازي عنفـــها في سياقات مشابهة أو مختـــلفة، في حق من لا يعبد الإله ذاته، ومن لا يقدس النظام أو الفكر السياسي ذاته، ومن لا تقدم الرجل على نفسها.
وعلى كل من مارس في حياته فعل عنف وإقصاء حسب هذه الأسس (وسواها) أن يراجع نفسه، ويدرك أن الفارق بينه وبين داعش فارق كاميرا تصورها ولا تصوره وهو يقتل روح ضحاياه على مهل خلف أبواب مغلقة؛ تمييزا وإقصاء وسبياً وكبتاً وتنكيلاً أحياناً كثيرة.
قد يكون مستفزاً أن أتابع هذه الفكرة، أي القول إن جراثيم داعش تبقى موجودة في كل من يحمل فكرا دينيا ًولو كانت صغيرة حد ألا تُرى بالعين أو البصيرة المجردة. سيقول المتفق مع المعري: طالما أن الإنسان العربي بصورة عامة ما زال يصدق الأفكار التي تعلمها حول وجود العالم ومصير الإنسان (قصة الخلق وآدم وحواء والأيام الست والطين وإبليس والجن والملائكة والجنة والنار) بحرفيتها من غير إدراك لأسطوريتها وخياليتها فهو بهذا تماماً كداعش. وإذا استسلم لاحقاً لرغبته البشرية في اليقين فاختار أن تكون مصادر معرفته التي تؤكد معتقدات الطفولة وما ينتج عنها من فقه وتشريع وأخلاق هي كتب أو خطب يوتيوبية وفيسبوكية لشيوخ يعيدون عليه نفس ما تعلم مع بعض التفصيل والتنويع، فهو أيضاً كداعش بغض النظر عن التطرف أو عدمه. وإذا بقي أعمى عن جهله بقيمة أبي العلاء فهو بهذا كداعش تماماً. وإذا كان لم يسأل نفسه سؤالاً حقيقياً في حياته عن وجود الله وعن إلهية القرآن، بل يجتر سريعاً ما لقنته إياه أنظمة التعليم من «أدلة» الإعجاز والمعجزات للـ»برهنة» المغلوطة على الاعتقاد فهو أيضاً مثلها. وإذا كان يظن أن العلمانية واللادينية أعداء لكل ما في الدين وتمنع صاحبها من إحساس عميق بجمال القرآن ومن إقرار ببعض ما فيه من أخلاق فهو بهذا أيضاً كداعش. وفي غياب كامل لحضور ما يمثله المعري من مقاومة فكرية للسائد القوي، أو الجدل حول الفكرة بمستواه الرفيع على الأقل، ستستمر السلطات القائمة في تنشئة أجيال داعشية الروح من دون أن تدري، بل تظن أن بينها وبين ما ترى على شاشة التلفاز سنوات حضارية ضوئية، وأنها منزهة عن اقتراف أنواع من الظلم تساويها قرفاً وبشاعة.
سيتابع المتفق منهجياً مع المعري الجدل حول أوجه الشبه فيما يخص المرأة أيضاً، وسيراه دامغ الوضوح. فإذا كان شرف الإنسان العربي ما يزال متعلقاً ببكارة النساء من قريباته فهو كداعش، والقتل الفعلي لهذا السبب يزيد الشبه. وإذا كانت رغبتها الجنسية ترعبه فهو مثلهم، وإن لجأ هؤلاء إلى الختان وهو إلى أشكال الكبت والمراقبة لإيجاد حل عبقري ما للـ»مشكلة» ذاتها. وإذا كان قد حسد في الشهر الفضيل عصاماً وأباه في باب الحارة على تعدد الزوجات، سراً أو جهراً، فهو كداعش في طمع الغرائز، رغم أنه حين يغير القناة عن الإعلانات إلى نشرة الأخبار يلعنها على السبي والإجرام. إذا كان قد سبى يوماً روح أخته أو زوجته أو حبيبته لأنها امرأة، أو رفض منها ما يتيحه لنفسه، أو نظر إليها كمحض جسد أو أداة أو هامش فقد حقق الشبه. وإذا كان يعتقد ألا حق لي في طرح فكرة المعري في هذا المقال فهو يكاد لا يختلف عن داعش في شيء.
المعروف أن من سيجنح إلى رفض فكرة المعري سيشير إلى نماذج كثيرة متسامحة في التاريخ والواقع، وسيربط التسامح بالتدين وهو ليس صعباً، كما أن ذلك هو المنطق الطاغي الذي تدعمه الأغلبية العامة والمثقفة. أما ما يطرحه المتفقون ولو جزئياً مع المعري فهو غالباً المكبوت الخائف من التعبير، لذا أضأته أكثر من خصمه في هذا المقال في محاولة أولى للدعوة إلى جدل متساوي الحقوق في التفكير والتعبير.
٭٭٭
هامش عاطفي منحاز: في مطلع العام قرأت خبراً لم أستطع منع نفسي من حمله على المجاز: «الجيش الحر يسيطر على مقار مقاتلي داعش في معرة النعمان.» المجاز: جيش «فكري» «حر» يحارب عدوه ويعيد لمعرة النعمان ألقها وللمعري قلقه. ومع المجاز يأتي الشعر، ومطلع قصيدة الجواهري:
«قف بالمعرة وامسَح خدها التربا … واستوح من طوقَ الدنيا بما وهبا
واستوح من طبب الدنيا بحكمته … ومن على جرحها من روحه سَكَبا»
ويقصد أبا العلاء بالطبع.
٭كاتبة اردنية
د. بلقيس الكركي