أن تبلي البلاء الحسن… بلاء زائد أحيانا

حجم الخط
0

إنه رجل كان يمكن أن يكون رجل الفرصة الأخيرة، لو لم يصب الدبلوماسيةَ الدولية داءٌ عضال جعل منها دوما عنوانا من عناوين الجمود. هذا الرجل اسمه جون كيري. رجل حاول إبراز صورة أخرى لبلده، مختلفة عن صورة الإدارة التي تربى في قلبها مهنيا، واستمرأ ثوابتها قلبا وقالبا، فردّت له الجميل مفوّضة إيّاه لتمثيلها تمثيل الابن البار. لكن الإدارة الامريكية وجدت «ابنا عاقا» أكثر منه ابنا بارا في صورة وزير خارجيتها.
فجون كيري يحمل، فضلا عن صفة الحمام الزاجل الذي يمنحها إياه عمله، صفة عصفور يغرّد خارج السرب، لا يمتنع عن اللعب على هذا الوتر كلما رأى الفرصة سانحة. لكن الرجل سرعان ما يروح أيضا ضحية وقوع الفعل على الفاعل كما يقال، وليس هذا جديدا في شأن كيري.
دعونا نتوقف عند سيرة الرجل، فهي مسيرة رافقتها درجة كبيرة من الانفتاح جعلته من المسؤولين الامريكيين القلائل، الذين اعتادوا منذ نعومة أظفارهم على التنقل لفترات منتظمة خارج بلدهم، واقع تركز في حال كيري على إقامات متكررة بفرنسا، حيث لا تزال تملك أسرته بيتا في منطقة بريطانيا الفرنسية. كما أن جزءا من عائلة كيري فرنسي الجنسية، وكيري أيضا ابن عم وزير فرنسي سابق للبيئة، خلفية تجعله يتقن اللغة الفرنسية بطلاقة والأهم من ذلك دبلوماسيا، شديد المعرفة والارتباط بالقارة العجوز، وهذه نقطة أخرى نادرة تضاف إلى بقية النقاط التي يختلف فيها عن الكثير من مسؤولي بلده.
ولكيري ارتباط عضوي عميق ايضا ببلده، ولعل في هذا الارتباط جانبا تأثر به أكثر من بقية زملاء المهنة أيضا ـ إنها حرب فيتنام، التي تميز فيها بطريقة أبرزت على الأقل جانبين من شخصيته، الشجاعة والثبات في المواقف، لا عجب ان نتلمس آثارهما في بقية مسيرته.
شجاعته أولا، من المعروف أن كيري كان في بداية التزامه بوطنه، أثناء الخدمة العسكرية التي تطوع بالانخراط فيها، قائد سفينة دورية في حرب فيتنام، ويشهد له في هذا السياق كيف هب لنجدة احد زملائه المشرف على الغرق، وسط وابل من قصف جبهة الفييت كونغ المقاومة.
لكن في موضوع المقاومة بالذات، لكيري سجل لافت، فكثير من الاحتمالات تصب في مشاركته في حملات المقاومة التي كانت تقودها جبهة الفييت كونغ الفيتنامية، مما جر عليه صفة الخائن لوطنه من بعض الأوساط، وهو اتهام بنى عليه خصومه جزءا من حملتهم، أثناء ترشح كيري لرئاسيات أمريكا سنة 2004. صحيح أن الكثير من المصادر فندت هذه الاتهامات، لكن الصحيح أيضا ان جبهة الفييت كونغ الفيتنامية المقاومة وضعت صورة كيري في ركن «أبطال المقاومة الفيتنامية» في متحف الحرب في هانوي. وصحيح أيضا ان كيري انضم عند عودته من الحرب على فيتنام إلى جماعة «محاربو فيتنام السابقين ضد الحرب».
وما هو صحيح أيضا أن كيري أظهر ثباتا مماثلا في المواقف عندما حاول، في أحداث غزة الأخيرة، الدفع بأوراقه هو، أكثر من أوراق إدارته. فقد روت لنا الصحف بعض التفاصيل التي رافقت زياراته المكوكية إلى بؤر الالتهاب ومقرات التفاوض معا، روت لنا مثلا كيف أراد، توفيرا للوقت، تخطي الضوابط الأمنية المفروضة على اتصالاته باستخدام هاتفه الخاص بدل الهاتف المهني المشفر، وروت لنا الصحف أيضا كيف صرّح كيري لأحد صحافيي فوكس نيوز متهكما: «أنظر كم دقيقة هي الضربات الإسرائيلية على القطاع !»متوقعا أن الخط كان مقفلا بينما كانت الميكروفونات لا تزال مفتوحة.. كما ذكرت لنا المصادر أيضا أن كيري المتحرك على كل الجبهات يقف في مرصاد المراقبة الاستخباراتية لأعز صديق أمريكا منذ زمان.. بعيد.
لا نستطيع إنكار أن كيري حاول إنفاق كامل جهده لإنهاء الصراع الدائر في غزة حاليا، بدليل أن مساعيه جلبت عليه من الويل والتقريع ما لم ينله الكثير من نزلاء البنتاغون. فلم يعمل كيري وفق مجرد منطق الشجاعة، ولكنه عمل ولا يزال، في ملف غزة، بمنطق القناعة أيضا. لكن المشكلة قائمة ومعروفة، والمرجح لها أن تدوم: إنها طاحونة المصالح والمكيال بمكيالين الموضوع فوق كل اعتبار، طاحونة هي على كامل الاستعداد، باسم المبدأين المذكورين، لسحق كل الذين يحملون رسائل تهدئة ورجوع إلى منطق العقل.
وعلى رأسهم، أمهرهم.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريموند

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية