لندن-“القدس العربي”:
تساءل الباحث اليكس دي وال، الباحث في الشؤون الأفريقية في جامعة تافتس عن المرحلة المقبلة للثورة السودانية. وقال في مقال نشره موقع “فورين أفيرز” عن الطريقة التي يمكن منع الثورة من التحول للعنف. فبعد 16 أسبوعاً من التظاهرات الشعبية في شوارع الخرطوم وبقية المدن السودانية بلغت ذروتها في سيطرة الجيش على السلطة في 11 نيسان (إبريل).
وطالب المتظاهرون بإنهاء حالة التقشف وحكم البشير. وتحدث الباحث عن خيارات الجيش الذي ووجه بخيار التعامل مع المتظاهرين بالقوة وإطلاق النار على أبناء الطبقة المتوسطة الغاضبين، وبعضهم من أبناء وبنات الجيش، وخيار عصيان الأوامر فاختار الجنود الثاني. وأعلن وزير الدفاع ونائب البشير الجنرال أحمد عوض بن عوف عن الإطاحة بالبشير. ولأن بن عوض من الموالين للرئيس السابق ولم يظهر أي إشارات لتلبية مطالب المتظاهرين، فقد بدا إنقلابه وكأنه عملية تغيير في الوجوه وبقيت زمرة البشير في السلطة. ووجد صناع الانقلاب أنفسهم أمام مشكلة، فهم لا يستطيعون إدارة النظام السابق بدون البشير. فالرئيس المعزول هو الذي كان يعرف الكيفية التي تعمل فيها آلة الرعاية وموازنة الأطراف السياسية ضد بعضها البعض. وزاد قادة الجيش من الأمور سوءا عندما حلوا المؤتمر الوطني ووضعوا معظم قادته الإسلاميين المجربين تحت الإقامة الجبرية. أدى هذا القرار لخلق فراغ من المجربين السياسيين الذين أداروا الحكومة وشوشوا على شبكة القيادة للحزب ورؤساء القبائل وضباط الجيش وقادة الميليشيات ورجال الأعمال المحسوبين على النظام والذين كانوا جميعا يديرون البلاد. وكان الجنرالات يعرفون أنهم بحاجة لدعم قادة الميليشيات والأجهزة المتعددة للنظام السابق ولكنهم لم يستطيعوا المقايضة معهم والتفاوض في الوقت نفسه مع المعارضة. واستقال بن عوف بعد يوم واحد عندما واجه الظروف المستحيلة وحل محله الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي عين رئيساً للمجلس العسكري الإنتقالي. ومؤهله الوحيد لتولي المنصب أنه غير معروف خارج الدوائر العسكرية ولا سمعة له في الفساد أو القسوة. ويظل وجهاً يمكنه التحادث مع المعارضة رغم عدم قبوله.
ويدير المجلس العسكري الآن مفاوضات على مسارين في وقت واحد. الأول مع الخدمات الأمنية والميليشيات المسلحة حول صفقة أمنية. فعلى خلاف مصر لا يستطيع الجيش السوداني السيطرة على البلاد بنفسه. ففي العاصمة الخرطوم تعتبر المخابرات والقوات الأمنية الأخرى قوة ضاربة ومستقلة. وكان مدير مخابراتها الجنرال صلاح عبد الله قوش شخصية مخيفة في عهد البشير. وهناك قوى أخرى مؤثرة في العاصمة مكونة من ميليشيات مسلحة أهمها قوات الدفع السريع التي يقودها الجنرال محمد حمدان، المعروف بـ”حميدتي”. وعندما حدث الانقلاب قفز قوش وحميدتي بطريقتين مختلفتين، استقال الأول أما الثاني فأصبح نائباً لرئيس المجلس العسكري الجنرال البرهان.
أما المسار التفاوضي الثاني فهو مع المعارضة. والتوصل لصفقة معها لن يكون سهلاً، فتحالف الحرية والتغيير يضم عدداً من الجماعات السودانية المعارضة التي تتراوح من تجمع المهنيين السودانيين إلى تحالف الأحزاب السياسية ومنبر المغردين السودانيين ومبادرة “لا لاضطهاد المرأة”.
وقامت جماعة من السياسيين المخضرمين بكتابة مسودة “إعلان الحرية والتغيير” في كانون الثاني (يناير) ويقودون فريقاً للتفاوض. وتبنى الجيش موقفاً متشدداً لشعوره أن الجيش منقسم. وقدم هذا بعضاً من التنازلات بما في ذلك سجن البشير في كوبر، وهو تحرك يحمل الكثير من الرمزية، خاصة أن الرئيس السابق سجن أعداءه ومن عارضوه فيه وكذا رموز الحكومة السابقة قبل 30 عاماً. ووعد بتفكيك المخابرات السودانية. إلا أن الطريق أمام المجلس صعب وحافل بالعقبات. ففي يوم الأحد أوقفت المعارضة المحادثات مع المجلس. ويرى دي وال إن المعارضة السودانية حققت في أربعة أعوام ما لم تحققه ثورات مسلحة في عقود. ولكن الجماعات المسلحة مثل الجبهة الثورية السودانية التي تمثل المتمردين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق أبعدت نفسها عن التحالف قائلة إنه من الباكر لأوانه الحديث. ويعكس التحرك القرار الكارثي من زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان جون غارانغ الذي رفض الدعوة للانضمام إلى الحكومة المدنية بعد الإطاحة بنظام جعفر نميري عام 1985. وأدى خطأ غارانغ لإدخال السودان في حرب أهلية لمدة 20 عاماً. ويرى دي وال أن الانتفاضة الشعبية السودانية انطلقت نتيجة لظروف محلية ولكن البلد لا يستطيع حل مشاكله بنفسه. ففي الماضي اعتمد السودان على الوساطة الخارجية مثلما فعل لمواجهة الحرب الأهلية في الجنوب.
من المهم للسعودية والإمارات أن لا يقع السودان تحت سيطرة الإخوان المسلمين وأن يظل عضواً في التحالف السعودي ضد إيران.
لكن الانتفاضة السودانية حدثت في ظل فوضى تعيشها المنطقة وتراخ دولي. وكانت مصر أول دولة تدعم الإنقلاب مؤكدة دعمها “لإرادة الشعب” وذلك بعد ساعات من إعلان بن عوف عن الإطاحة بالبشير. بالنسبة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فسيطرة الجيش على الحكم هو نسخة طبق الأصل عن انقلابه عام 2013، وكان مطمئناً أن ابن عوف الذي تلقى تدريبه في الأكاديمية العسكرية المصرية كالسيسي سيتبنى موقفاً مؤيداً لمصر ويضع الإخوان المسلمين تحت الرقابة.
وعبر السيسي عن قلقه من دعم السودان للإسلاميين في ليبيا ومن الصفقة مع تركيا لتحديث ميناء سواكن على البحر الأحمر. وانتظرت السعودية حتى 13 نيسان (إبريل) للتعبير عن دعمها للمجلس العسكري الإنتقالي ووعدت بتقديم الغذاء والدواء والوقود. وما يريده السعوديون في السودان مهم. فقد كان البرهان قائداً للقوات السودانية في اليمن. ويقود نائبه حميدتي قوات من 7.000 مقاتل تدفع رواتبهم السعودية. ووعدت الإمارات بتقديم الدعم بعد تحرك الجيش. وكان قوش الشخص المفضل لها إلا أنها لم تتردد بالدعم رغم رحيله. فمن المهم للسعودية والإمارات أن لا يقع السودان تحت سيطرة الإخوان المسلمين وأن يظل عضواً في التحالف السعودي ضد إيران.
التدخل الأجنبي لن يمنح السودان الديمقراطية والسلام، السودانيون وحدهم من سيفعل.
ولاحظ الكاتب غياب “الترويكا” وهي النرويج وبريطانيا والولايات المتحدة التي دعمت المفاوضات بين الشمال والجنوب قبل 15 عاماً غائبة عن الانتفاضة الأخيرة. ففي ظل حكومة باراك أوباما ودونالد ترامب فيما بعد تحركت الولايات المتحدة من التركيز في علاقتها مع السودان على حقوق الإنسان إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم السعودية والإمارات. ولعب قوش دوراً مهماً كشريك لـ”سي آي إيه” بل وكانت الولايات المتحدة مستعدة لدعمه قبل الإنقلاب في طموحاته للسيطرة على السلطة. وفي العام الماضي تعاون البشير وقوش على تحقيق صفقة سلام في الجنوب جلبت الرئيس سيلفا كير والمعارض رياك مشار وهو ما منحهما مصداقية لدى الولايات المتحدة. وتخشى وزارة الخارجية أن يتداعى الاتفاق بدون إرشاد ودهاء الخرطوم.
ويشير الكاتب إلى أمر رمزي في العلاقة، ومركزها توت غالتواك، مدير الأمن القومي في جنوب السودان الذي تبناه الرئيس السوداني السابق الذي لم ينجب أطفالاً. وفي الوقت الذي قاد فيه غالتواك وفداً جنوبياً لتهنئة الجيش على إنقلابه كان والده بالتبني في طريقه إلى سجن كوبر. وكانت الدول الغربية تفترض أن البشير سينجو من التظاهرات أو يحل محله شخص يؤكد استمرارية النظام. ولم تصدر الترويكا إلا في الأسبوع الماضي بياناً مملاً دعت فيه إلى انتقال منظم للسلطة.
السودان يقف الآن بين آمال الدمقرطة ومخاوف العنف المستمر. وأظهر السودانيون شجاعة وصبراً وتظاهروا وأثبتوا قدرتهم على الإطاحة حتى بالنظام المتمرس.
ويشير الكاتب إلى أن الاتحاد الإفريقي تبنى موقفاً متشدداً من الانقلاب نظراً لقوانين الإتحاد التي تمنع السيطرة على السلطة بالقوة. ولكن المشكلة هي أن السيسي هو من يترأس الاتحاد وعبر عن دعمه للانقلاب. وفي 15 نيسان/إبريل منح مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الجيش مدة اسبوعين ثم ثلاثة أشهر لتسليم السلطة. ويرى الكاتب أن السودان يقف الآن بين آمال الدمقرطة ومخاوف العنف المستمر. وأظهر السودانيون شجاعة وصبراً وتظاهروا وأثبتوا قدرتهم على الإطاحة حتى بالنظام المتمرس. ويختم دي وال بعبارة تحذير قائلاً إن التدخل الأجنبي لن يمنح السودان الديمقراطية والسلام، السودانيون وحدهم من سيفعل. إلا أن تنسيقاً وفعلاً لتشجيع الديمقراطية ومنع تدفق السلاح إلى يد الميليشيات المسلحة ربما ساعد على منع السودان من الانزلاق للفوضى.