انتخابات أدباء العراق ثقافة موصومة بالصراع السياسي

■ تبدأ اليوم الجمعة انتخابات المجلس المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ومعها تتصاعد حمى الترشيحات مثلما تصاعدت حدة التصريحات بين جهتين، تحاول كل منهما إقناع أدباء العراق باختيار هذه الشخصية أو تلك، مثلما تصاعدت الاتهامات بين الأطراف التي راح الأديب العراقي يدرك بعضها، ويقتنع برؤية هذا الطرف أو ذاك. بلغ عدد المرشحين 87 مرشحا، فضلا عن سبعة مرشحين ما يطلق عليهم كوتة الأقليات، من أكراد وتركمان وغيرهم، بينهم 15 أديبة وكاتبة و23 من حملة الشهادات العليا، يتنافسون على 30 مقعدا، بينها خمسة مقاعد للكوتة.
ومن خلال المجلس المركزي تتم انتخابات المكتب التنفيذي وعددهم ثمانية أعضاء، بينهم الرئيس والأمين العام وبقية اللجان التي تشكل المكتب التنفيذي، والفاعل الحقيقي في إدارة الاتحاد. والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل هناك صراعات، سواء كانت حزبية أو ماضوية بين المرشحين، أو وجود كتلتين متناقضتين كل تريد الوصول إلى حكم الاتحاد؟ وما هي برامج المرشحين؟ وكيف يرى الأديب هذه الانتخابات أصلا؟

تنافس وصراع

يقول جاسم الخالدي، إن ديدن الانتخابات أيا كانت طبيعتها قائمة على التنافس والصراعات، وربما تنزل إلى مستوى التسقيط، ولا تخلو هذه الانتخابات من هذه الممارسات غير الشريفة، فثمة بعض الجهات بدأت تستعين بقنوات معروفة لغرض تسقيط بعض الأسماء، التي كانت تدير الاتحاد في الحقبة الماضية، أمر محزن أن تنتقل هذه العدوى إلى شريحة مثقفة، يفترض أن تعمل بالبينة وليس بالسمع وعدم مراعاة الحقيقة، فثمة صراع خفي بين أطراف حزبية يعلو حينا وينخفض حينا آخر، والاعتقاد بأن مثل هذا الأمر سيحسمه صوت الناخب في النهاية. ولاسيما أن الكتلتين المتصارعتين غير متكافئتين، لسبب بسيط أن إحداهما لا تستطيع الجهر ببرنامجها الثقافي، كي لا تتهم بارتباطاتها القديمة، ومن ثم فإن كفة الكتلة الأخرى هي الأرحج. ويشير الخالدي إلى أن ثمة برامج طرحت سواء من لدن أشخاص، أم من شخصيات مجتمعة يجمعها هدف واحد لكن هذه البرامج بعيدة عن الواقع.

صراع الأحزاب

أما الروائي وارد بدر السالم فيرى أن العملية الانتخابية تبدو في ظاهرها طبيعية ضمن الجو الديمقراطي العام، لكنّ باطنها غير هذا، في جو سيخرج هذه الأيام عن أدبيته قليلاً أو كثيراً، ليصل إلى طائفيته ومناطقيته وحزبيته، في تجمعات سرية أو شبه ذلك لإسقاط الآخر والاستحواذ على هذا المكان الشكلي. ويضيف، مع يقيننا بوجود نزعة مبالغ فيها يتردد بموجبها أن اتحاد الأدباء هو اتحاد شيوعي، ولا مكان لغير الشيوعيين فيه، ممن سيستلمون قيادته، ومع أن النبرة خافتة حتى الآن، إلا أنها تتردد في مجالس الخمر والمقاهي الأدبية، بصيغة أو بأخرى، وحتى التسمية (اتحاد الجواهري) التي يُتَقصّد من تكرارها، ويرددها الاتحاديون الجدد، هي تسمية موارِبة تحيل إلى شيوعية الجواهري، مع أن الجواهري لم يكن شيوعياً بالمعنى المتعارف عليه تنظيمياً. وإنّ حصر الجواهري بعظمته الشعرية تحت بند حزبي هو تهميش لوطنيته المعروفة، وبالتالي فإن تمرير هذا الأسلوب ليس في صالح الحالة الأدبية وانتخاباتها، ومع تأكيدنا الثابت أن لا شيوعيين في اتحاد الأدباء، ولا بعثيين ولا إسلاميين، وأنّ المكان لجميع المبدعين، ولا يمكن أن ينتمي إلى أي طيف سياسي لو حافظنا على التوجه العام لمساره الطويل. ويمضي بقوله إن الآخر الذي تستهدفه شلل الانتخابات، فهو أديب أيضاً له ما لغيره من حقوق وتطلعات وآمال بأن يكون بخدمة الطيف الواسع من الأدباء، وفي الحقيقة فإن المتصيدين بالماء العكر والمحارَبين سراً معهم لا يستطيعون انتشال الواقع الأدبي عبر الانتخابات أو غيرها؛ لأنه واقع بلا فرضيات معقولة بهذه الصيغة الانتخابية.

العملية الانتخابية تبدو في ظاهرها طبيعية ضمن الجو الديمقراطي العام، لكنّ باطنها غير هذا، في جو سيخرج هذه الأيام عن أدبيته قليلاً أو كثيراً، ليصل إلى طائفيته ومناطقيته وحزبيته، في تجمعات سرية أو شبه ذلك لإسقاط الآخر والاستحواذ على هذا المكان الشكلي.

هجمات واتهامات

الروائية عالية طالب وهي من ضمن المرشحين، وهي عضو المكتب التنفيذي الحالي تقول منذ عام 1959 مرورا بعام 1971 وقت صدور قانون اتحاد الأدباء برقم 80 وصولا إلى وقتنا الحاضر والأدباء، يقيمون انتخاباتهم كل سنتين لاختيار من يتصدى للعمل المهني والإداري لتقديم الأفضل للأدباء، وتشير إلى أن المعروف أن العمل تطوعي لا امتيازات مالية ولا مناصب ولا نفعية، بل إن أغلب الأدباء ينفقون أموالهم الخاصة للتواصل مع الأنشطة الثقافية ونشر إصداراتهم والمشاركة في المهرجانات والمؤتمرات داخل وخارج العراق، يفعلون كل هذا بلا منة ولا شكوى، فالهدف الثقافي والأدبي أقوى من أي منفعة مادية زائلة، وأن مواردهم المحدودة لا تحد خطواتهم ولا يفكرون بالبحث عن مصادر تمويل مالي بقدر انشغالهم بالبحث عن تقديم المميز لعقولهم ولمتابعيهم ولأنشطتهم وجلساتهم. وتضيف أن الكثير من المرشحين قيل عنهم الكثير ما بين السلب والإيجاب وغالبا ما تعرضوا لهجمات وانتقادات وشتائم وانتهاكات لخصوصياتهم، ونادرا ما صمت الإعلام عن متابعة ما يفعلون، ودائما هناك من هو متهم بينهم بكثير مما ليس فيه، وهناك من يؤمن منهم بالعمل السياسي، فيثقل مشروعه الثقافي بالهم السياسي، لكنه لا يروج لمعتقده السياسي في مشروعه الثقافي، ويبقى التداخل في الأمكنة والأزمنة والتحزب والحياد والاستقلال والاعتقاد، ونبذ التطرف والإقصاء، متوافرا في كل ما ينتجون فتمتزج الأحزاب في كتاباتهم ومناهجها، حتى لا يكاد المتلقي يعرف ما خلفية مرسلها فهم لا يصدرون خطابا تحريضيا، ولا يروجون لمشاريع غير ثقافية ولا يقبلون إلا بالإبداع مرتكزا.

نشاط جدير

الناقد السينمائي علاء المفرجي كتب مقالا يقول فيه، إن من يراقب نشاط الاتحاد الثقافي والاجتماعي والمهني (ويقصد الحالي) يدرك بأن الذي يخطط ليس واحداً وإنما جماعة، والتشاور معيار النجاح وحيازة عوامل التقدم، تأتيك عنه أخبار من كل المحافظات، يفتح نوعاً فريداً من العلاقات التي تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً مضاعفاً، ليصل إلى السماوة، الأنبار، البصرة، ليزور مريضاً أو يواسي مفجوعاً. هذا ما لم يكن في السابق. ويؤكد أن الاتحاد رسم بعضاً من مشروعه الذي ينطوي على دعوة واضحة وصريحة إلى التشارك من أجل ثقافة عراقية بعيدة عن الانتماء الديني الضيق، والتوجه نحو الجماعات كلها وتغذيتها بالروح العراقية والتعامل مع الهويات، بوصفها مكوناً عراقياً سيساهم بإنقاذ الوطن من خلال إدراك حيوية التنوع والتباين بين القوميات والطوائف، لأن هذا هو الجذر والأصل الحقيقي للعراق، الذي تشيّد على حقوق الكل وإلى مزيد من الفعاليات وبيّن المفرجي ما قام به الاتحاد الحالي من أنه صدر عن الاتحاد 35 ديواناً للشعر و26 مطبوعاً بالسرد وكتابان مترجمان مع 21 في الدراسات والنقد والمقالات، مع 25 مجلة ودوريّة من دوريات المكاتب مع إعادة طبع الأعداد الأوّلى لمجلة الاتحاد التي صدرت بعد مايو/أيار 1959.

التحدي الأكبر

اما القاص عبد الأمير المجر فقال، من الطبيعي أن يستبطن الصراع على زعامة اتحاد الأدباء نوعا من الحساسية السياسية، لاسيما أن تاريخ العراق كان عبارة عن مسلسل من الصراعات السياسية بخلفيات ثقافية معروفة، إلاّ أن هذا لا يظهر على السطح أو يجهر به لأن هناك أعدادا كبيرة من الأدباء يقفون على مسافة واحدة من القوى السياسية التي لعبت أدوارا مختلفة في تاريخ العراق، وهؤلاء لهم علاقة طيبة مع الجميع انطلاقا من موقف إبداعي ثقافي بعيد عن أي تسييس. ويرى أن الانتخابات المقبلة ستكون مختلفة بعض الشيء عن سابقاتها، لأن حدة المواقف المتعارضة خفتت إلى حد كبير، بعد أن اصبحت البلاد مبتلات بمصائب كبيرة، تستدعي الاصطفاف، أو على الأقل تجاوز عقد الماضي. ويشير إلى أن الأهم في هذه الانتخابات، هو اشتراك أكبر عدد من المقاطعين للاتحاد سابقا، وهذا يعني أن الأدباء تجاوزوا الماضي وبات لديهم مشترك وطني، أفرزته تحديات المرحلة وأوضاع البلاد المزرية وهو التحدي الأكبر للأدباء وغيرهم.

تقسيم المرشحين

الكاتب والفنان كاظم سلوم يعد الانتخابات ضرورية في كل الأحوال باعتبارها ممارسة ديمقراطية، لكن هل تحقق شيء مهم طيلة الدورات السابقة، هذا هو السؤال الذي يمكن أن يطرح، والذي يثير جدلا دائماً بين الأدباء والكتاب. ويضيف أن الكثيرين يعتبرون أن شيئا مهما لم يتحقق وما تحقق يأتي ضمن المسار الطبيعي للعمل، والمطلوب تحقيق أشياء تهم الحياة اليومية لعضو الاتحاد، رعاية صحية، سكنا ملائما، تخفيضا في أجور السفر، مشاركة في الفعاليات الداخلية والخارجية، وأن لا تقتصر على مجموعة بعينها.
ويشير إلى أن الحديث عن صراع بين جهات معينة فهو موجود، البعض يصف نفسه باليسار وهو المسيطر منذ عدة دورات وبالوجوه ذاتها التي نجح بعضها في عمله والآخر لم يقدم شيئا سوى شغله لمقعد المجلس المركزي، والبعض الآخر هم أدباء وأعضاء الاتحاد قبل 2003، وفيهم أسماء مهمة على الصعيد المحلي والعربي، هؤلاء يعتقدون بتهميش دورهم وإبعادهم عن إدارة الاتحاد، وهم مشاركون في هذه الدورة وبقوة، وهناك من يعتاش على هذا الصراع فتجده هنا وهناك.
ورغم وجود دعوات لتغيير النظام الداخلي للاتحاد، بما يمنع تكرار الوجوه نفسها لدورات متتالية، وكشف الحسابات المالية، من خلال كشف ديوان الرقابة المالية، وتفعيل دور الهيئة العامة التي يشكل أعضاؤها العدد الأكبر من أعضاء الاتحاد، إلا أنه لا جديد سيطرأ على التشكيلة، خصوصاً على مستوى المناصب القيادية، وبالتالي سيبقى الوضع كما هو عليه.

٭ روائي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية