ما أقسى تلك الصدمة التي نزلت على رؤوس الكثير من المثقفين والمواطنين، وهم يسمعون بموت الشاعر والروائي المغربي محسن أخريف بشكل فجائي في «عيد الكتاب» في تطوان، حيث أصابته صعقة كهربائية أودت بحياته سريعا من فوق المنصة، وهو يحمل الميكروفون مساء السبت أثناء مشاركته في أحد الأنشطة الثقافية. وما إن ذاع الخبر حتى انتشر حزن كبير بين محبيه ومعارفه الذين عرفوه كاتبا وإنسانا نبيلا ورئيسا لـ«رابطة أدباء الشمال».
ولعل حادثة الميكروفون الأليمة هذه تطرح الكثير من الأسئلة الشائكة حول وضع الثقافة في البلاد، وضع موغل في الهشاشة والأزمة والتدهور، حادثة الراحل أخريف عرّت بما لا يدع مجالا للشك العبثية والعشوائية في التنظيم والتسيير. إن آخر ما نهتم به هو الثقافة، لا ننظر للمهرجانات والمحافل الأدبية، إلا كما ننظر لشيء تافه، لا قيمة له، ينبغي أن يمر وكفى. نتعامل مع الثقافة تعاملنا مع مهرجانات الخيل في الصيف، ومع المواسم في البوادي. أما عندما يتم تنظيم نشاط فني غنائي، فإن الجميع يلاحظ التنظيم المحكم، والأموال الهائلة التي تصرف على التسيير والتجهيز.
حُق لنا مع حادثة الميكروفون أن نعلي صوتنا، بأن الثقافة في هذا البلد قاتلة جدا. كنا نسمع قبل هذا أن من يتجه للأدب والكتابة كأنما يحفر قبره مجازيا، مادام أن الوضع الهش للمبدع لا يمكنه من قضاء حاجياته في الحياة، لكن الآن صار الموت حقيقة تتربص بالمبدع حتى وهو يلقي كلماته على الجمهور، حتى وهو يقوم بمهمته التنويرية الأصيلة. لقد آن الأوان لنقف على كآبة وضعنا الثقافي، لنقيم مأتما على آمالنا التي ربيناها وقلنا بأن كل شيء سيتحسن. بيد أننا كل يوم نفاجأ بفاجعة جديدة تخرسنا، وتدفعنا إلى مزيد من فقدان الأمل. لقد آن الأوان لنقاطع التسيير السيئ للثقافة، لنصارح أنفسنا بأننا فشلنا حتى في تنظيم «عيد للكتاب»؛ عيد تحول إلى مأتم أدمى قلوب كل المثقفين والكتّاب.
آن الأوان لنسائل أنفسنا مساءلة مسؤولة، لا أن يفتح تحقيق فوري من لدن السلطات، فالحقيقة لا تحتاج الى تحقيق، بل إلى عمل.
آن الأوان لنسائل أنفسنا مساءلة مسؤولة، لا أن يفتح تحقيق فوري من لدن السلطات، فالحقيقة لا تحتاج الى تحقيق، بل إلى عمل. إلى تجاوز هذه النكسة التنظيمية القاتلة، وإلى عدم تغطية الشمس بالغربال. انكشفت عوراتنا ولم يعد من تبرير غير إعلان الفشل الذريع، والبدء في الحسم نهائيا مع الدونية التي تعيشها الأنشطة الثقافية. الميكروفون القاتل «استعارة» قاتلة لحاضرنا أجمع، لو كتب قاص ما حدث ما صدقنا قصته، لكن الواقع أغرب وأخيل من الخيال نفسه. حتى دوستويفسكي أو تشيخوف أو كاواباتا ما كان ليستطيع تخييل ما جرى. مأساتنا أكبر وأعمق. أن نمسي على فقدان بإخراج موغل في القتامة والتراجيدية، وكأن مصير المبدع هو أن يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى إلى أن يلقى حتفه بصعقة كهرباء غادرة. وكأن مصير المبدع هو أن يكتب بدمه ويناضل لأجل الكلمة، وفي النهاية تقتله أخطاء الآخرين. وكأن المبدع حثالة نحتاج إليه في الندوات فقط، وبدل أن نوفر له الأمان والحماية ندعه يواجه أقداره. حان الأوان لنعيد تعاملنا مع الثقافة والمثقفين، أو أننا سنواصل في كل مرة الترحّم على شهداء الكلمة والحرف في انتظار مخلّص ما.
كما أن خير ما يقدّم لروح الكاتب محسن أخريف صاحب «ترانيم للرحيل» (2001)، و«حصانان خاسران» (2009)، و«ترويض الأحلام» (2012)، و«مفترق الوجود» (2019) أن تتم طباعة مشاريعه المخطوطة في الشعر والرواية وغيرها حتى تحظى بالقراءة والمتابعة، فما مات من ترك حروفه خلفه.
٭ باحث مغربي